ذ. بوناصر المصطفى
قدمت الحكومة المغربية مشروعها لقانون مالية سنة 2025، الا ان القراءة المتأنية في هيكله العام يفرض على أي متتبع تقديم ملاحظاته الهدف منها محاولة تقويم هيكلي وموضوعي للمشروع، أولا قصد تحقيق الانسجام والثقة بين القمة والقاعدة، وثانيا اعتماد الشفافية في إيجاد مبرر لأي قرار سياسي.
فعلى مستوى الهيكل يظهر مشروع قانون المالية في مجمله عبارة عن انشاء سياسي تتخلله اراء أقرب الى المتمنيات، عرض يرمي فقط لإقناع المتلقي بصوابية عنوان الدولة الاجتماعية.
لقد اتسم الهيكل المعتمد في المشروع لسعي موجه نحو ترسيخ مفهوم الدولة الاجتماعية، في تغييب ربما مقصود لتلك الالية المناسبة لتحقيق الأهداف المنشودة، فتبدو بعض الجوانب أكثر طموحاً من كونها واقعية.
لا شك ان المواطن في حاجة لرؤية واضحة ومقنعة، بدلاً من الاعتماد على آراء تُعتبر أقرب الى الاحلام منه الى تحقيق خطى تنموية، حيث تبرز نقاطاً رئيسية سواء في التحليل المالي او في المحفظة العمومية تحتاج إلى تحليل معمق.
لقد غاب العرض الموضح للأرقام ووكدا التحليلات المتعلقة بالمؤسسات والمقاولات العمومية التي لها اسهام كبير في المحفظة العمومية مثل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، المجمع الشريف للفوسفاط، وبنك المغرب والتي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل تحتاج الى المزيد من التحليل والاهتمام، وأدق التفاصيل لكيفية توزيعها وان أي محاولة مغايرة، هي شكل من اشكال التعتيم وتكريس الضبابية.
اذ تجدر الإشارة ان المحفظة العمومية تؤكد وجود 271 مؤسسة ومقاولة عمومية تعكس تنوعاً في الاقتصاد الوطني، لكن يجب تحليل كيفية تأثير هذه المؤسسات على المالية العامة، كما ان 53% من هده الشركات المملوكة بأغلبية يُظهر ضرورة مراجعة استراتيجياتها والحكامة في تدبير مواردها.
انتظارات المواطن او المتلقي بصفة عامة من مشروع قانون المالية لا تتوقف فقط على عرض نشرة بل ان تستند رؤيتها إلى تحليل علمي وواقعي، بدل التركيز على النوايا، وأن يتضمن بيانات مالية مرفقة بتحليلات معمقة تفسر توجيه تلك الموارد بشكل فعال لتحقيق الأهداف المرجوة.
من الشفافية ان يضطر المسؤول الحكومي الى وضع مقارنة الإيرادات والنفقات لتبرير أي فجوة بين الإيرادات المتوقعة والنفقات، وتحديد ما إذا كانت الميزانية متوازنة أو تعاني من عجز.
لان تحليل الاستدامة المالية وتعرية نسبة الدين في الناتج المحلي الإجمالي يبين مدى قدرة الدولة على تحمل الدين العام من عدمه.
ان عملية تقييم لكل المخاطر المحتملة على المالية العامة، مثل التقلبات الاقتصادية أو التغيرات في أسعار الفائدة والتعرض لتأثير الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية على النمو الاقتصادي ونسب التوظيف تبقى ضرورية لتقديم تقرير يوضح مصادر الإيرادات المختلفة، والتحويلات من المؤسسات العمومية، ويبرر مدى استدامتها قصد تقييم الربحية في المؤسسات العمومية المختلفة ومدارسة التدفقات النقدية الداخلة والخارجة لكل مؤسسة، لفهم قدرتها على تمويل العمليات والمشاريع المستقبلية.
هدا دون نسيان تحليل هده الفوائد وتقييمها اقتصاديا واجتماعيا على مشاريع البرامج الاجتماعية أو مشاريع التنمية.
لان مقارنة العوائد بالمصروفات وتحليل العوائد المتوقعة من المشاريع العامة مقارنة بالمصروفات يعطى صورة عن جدوى الاستثمار وقد يستحب التعرض لتقييم تجارب فاشلة كان لها تأثير في السياسات المالية على الفئات الاجتماعية المختلفة.
لا شك ان تحليل الموارد ودراسة توزيعها بشكل مناسب بين القطاعات المختلفة، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية هي الوسيلة والمنهجية الرائدة من أي مشروع قانون مالية يصرف سياسة عمومية.
ان اللجوء الى هذه الأنواع من التحليلات يمكن أن يساعد في تحسين جودة مشروع قانون المالية، ويضمن اتخاذ قرارات مستنيرة تعزز من الاستدامة المالية والتنمية الاقتصادية.
#فمتى تلجا الحكومة الى اعتماد جدولة توزيع المحفظة العمومية بشكل شفاف؟
#متى يهتدي المسؤول لتوجيه الموارد بشكل فعال في تفاصيل أي مشروع قانون مالية؟