المسيرة الخضراء.. ملحمة وطنية خالدة جسّدت عبقرية القيادة ووحدة الشعب المغربي

0 1

 

بقلم: محمد العربي القباج

 

تظل المسيرة الخضراء، التي يخلّد الشعب المغربي ذكراها في السادس من نونبر من كل سنة، واحدة من أبرز المحطات التاريخية في مسار الكفاح الوطني المغربي، وملحمة شعبية وإنسانية وسياسية خالدة، جسّدت أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب، وعكست عمق الارتباط بالوطن والتشبث بوحدته الترابية.

 

لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث عابر في تاريخ المغرب، بل كانت تعبيراً حضارياً عن إرادة أمة قررت أن تجعل من الإيمان بقضيتها الوطنية، ومن وحدة صفها وتعبئتها الجماعية، وسيلة للدفاع عن حقوقها التاريخية والمشروعة. فقد استطاع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، بحكمته ورؤيته السياسية وبعد نظره، أن يبتكر أسلوباً نضالياً سلمياً غير مسبوق، حوّل قضية الصحراء إلى قضية وطنية جامعة، والتفاف شعبي واسع حول هدف استكمال الوحدة الترابية.

 

لقد تجلت عبقرية جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، في اختيار أسلوب المسيرة السلمية، وفي القدرة على تحويل الفكرة إلى مشروع وطني متكامل، قائم على دقة التنظيم وحسن التأطير والاستعداد المحكم. فقد تم إعداد هذه الملحمة وفق تصور استراتيجي جمع بين التعبئة الوطنية والتدبير اللوجستيكي والانضباط الجماعي، بما مكّن مئات الآلاف من المواطنات والمواطنين من المشاركة في حدث تاريخي استثنائي.

 

وكان لافتاً أن المشاركين، الذين لبّوا نداء الوطن من مختلف جهات المملكة، أبانوا عن مستوى كبير من الانضباط والصبر وروح المسؤولية، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، ومعبّرين عن إرادة جماعية في إطار مسيرة سلمية، لم تكن القوة المادية عنوانها، بل قوة الإيمان بالوطن والالتزام بالقضية الوطنية.

 

لقد شكلت تلك المشاركة الواسعة صورة حية عن مغرب موحد، بمختلف فئاته الاجتماعية ومكوناته، حيث امتزجت إرادة المواطن البسيط بحماس الشباب والنساء والرجال، في مشهد جسّد أن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون حكراً على مؤسسة أو فئة، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها الأمة بكل مكوناتها.

 

ولعل من أعمق الصور التي خلدتها المسيرة الخضراء في الذاكرة الوطنية والدولية تلك الرموز التي حملها المشاركون، والتي لم تكن مجرد مظاهر احتفالية، بل كانت رسائل ذات دلالات روحية ووطنية وسياسية عميقة. فقد كان المصحف الشريف عنواناً للطابع السلمي والحضاري للمسيرة، ورمزاً للقيم الدينية والروحية التي يستمد منها المغاربة تشبثهم بالسلام والتسامح والوفاء للوطن. أما العلم الوطني، بألوانه ورمزيته، فقد جسّد وحدة التراب المغربي وسيادته، ووحّد مشاعر مئات الآلاف من المشاركين تحت راية واحدة. كما أضفت صور جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، دلالة قوية على التلاحم بين العرش والشعب، وعلى الثقة في القيادة الملكية التي أطلقت هذه المبادرة التاريخية. ولم تكن أعلام الوفود الصديقة والشقيقة التي شاركت في هذه الملحمة مجرد ألوان تزين المشهد، بل حملت رسالة تضامن وتآزر وانفتاح على المحيطين العربي والإفريقي والدولي، مؤكدة أن المسيرة الخضراء تجاوزت في أبعادها حدود التعبئة الوطنية لتصبح حدثاً استقطب اهتماماً ومساندة من خارج الحدود. وهكذا اجتمعت في مشهد واحد رمزية الدين والوطن والملكية والتضامن الدولي، لتمنح المسيرة الخضراء صورتها الحضارية والإنسانية الخالدة.

 

إن إحدى أهم الدلالات التاريخية للمسيرة الخضراء تكمن في كونها جسّدت قوة الروابط التي تجمع الشعب المغربي بمؤسساته وثوابته الوطنية، وأبرزت أن التلاحم بين العرش والشعب يشكل أحد المرتكزات الأساسية في مواجهة التحديات المصيرية.

 

فقد تحولت المسيرة إلى لحظة إجماع وطني، تجاوزت الاعتبارات السياسية والاجتماعية والاختلافات الفكرية، لتؤكد أن الدفاع عن الوحدة الترابية قضية تتقدم على كل الحسابات الضيقة، وأن الانتماء للوطن يظل القاسم المشترك الذي يوحد المغاربة.

 

كما أظهرت هذه الملحمة قدرة المغرب على تعبئة طاقاته البشرية والمعنوية حول هدف وطني واضح، وعلى تحويل التضامن الشعبي إلى قوة سياسية ودبلوماسية ذات أبعاد دولية.

 

لم تكن المسيرة الخضراء حدثاً مغربياً معزولاً عن محيطه الدولي، بل استقطبت اهتمام المجتمع الدولي، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل الصحراء ومسار تصفية الاستعمار، في سياق دولي وإقليمي دقيق.

 

وقد شكل بعدها السلمي والحضاري، وحجم المشاركة الشعبية فيها، عنصرين بارزين في إبراز القضية المغربية على المستوى الدولي، إلى جانب المسار الدبلوماسي الذي اعتمدته المملكة للدفاع عن موقفها ومصالحها الوطنية.

 

وإذا كان من الضروري التمييز بين التعاطف الدولي مع المسيرة وبين المواقف القانونية والسياسية للدول والمؤسسات الدولية، فإن ما تحقق لاحقاً من تطورات دبلوماسية يعكس استمرار حضور قضية الصحراء المغربية في العلاقات الدولية، وتزايد الاهتمام بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 باعتبارها مقترحاً لتسوية سياسية للنزاع.

 

إن الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء لا ينبغي أن يظل مجرد استحضار لحدث تاريخي أو مناسبة لترديد الشعارات الوطنية، بل يجب أن يتحول إلى محطة للتأمل في الدروس المستخلصة منها، وفي مقدمتها أهمية الوحدة الوطنية، وقوة التنظيم والتأطير، والتعبئة الجماعية، وربط الوطنية بالمسؤولية والعمل الجاد.

 

فالدفاع عن الوحدة الترابية اليوم لا يقتصر على الذاكرة التاريخية أو الخطاب السياسي، بل يتطلب مواصلة العمل الدبلوماسي، وتعزيز الجبهة الداخلية، وتحصين المؤسسات، وتكريس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتحقيق التنمية الشاملة، خاصة بالأقاليم الجنوبية، حتى يشعر المواطن بأن الوحدة الوطنية تعني أيضاً ضمان الكرامة والحقوق وتكافؤ الفرص والعيش الكريم.

 

كما أن استحضار المسيرة الخضراء يضع على عاتق الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني مسؤولية المساهمة في تأطير المواطنين، وتوعية الأجيال الصاعدة بتاريخ بلادهم، والدفاع عن المصالح العليا للوطن بروح وطنية مسؤولة.

 

إن المسيرة الخضراء ليست فقط ملحمة من الماضي، بل هي مدرسة وطنية في الوحدة والتضامن والانضباط والتعبئة، ورسالة متجددة تؤكد أن قوة المغرب تكمن في تلاحم شعبه ومؤسساته، وفي قدرته على تحويل التحديات إلى فرص لبناء المستقبل.

 

ومن موقعنا كفاعلين في الحقلين السياسي والنقابي والحقوقي، فإن الوفاء لهذه الذكرى يقتضي ألا نكتفي بالاحتفال بها، بل أن نجعل من قيمها منطلقاً لنضال وطني متواصل، قوامه الدفاع عن الوحدة الترابية، وصيانة المكتسبات الوطنية، وترسيخ دولة الحق والقانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

 

فالمسيرة الخضراء كانت مسيرة لاستكمال الوحدة الترابية، ويجب أن تكون مسيرتنا اليوم نحو استكمال بناء مغرب المؤسسات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فالوطن الذي توحّد أبناؤه بالأمس حول نداء التحرير، مطالب اليوم بأن يوحّدهم حول مشروع التنمية والكرامة والإنصاف.

 

حفظ الله المغرب، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والوحدة، ورحم باني المسيرة الخضراء جلالة الملك الحسن الثاني، ونصر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصرا مبينا اقر عينه بولي عهده سمو الأمير الجليل مولاي الحسن، وألهم شعبه المزيد من التلاحم والتضامن والوفاء للوطن.

 

عاشت المسيرة الخضراء، وعاش المغرب موحداً عزيزاً كريماً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.