راتكو ملاديتش.. نهاية جزار البلقان..

0 1

نجيب اندلسي

راتكو ملاديتش،جنرال صربي والقائد العسكري للقوات الصربية في البوسنة،خلال حرب 1992/1995،ارتبط اسمه بفظائع لا تنسى، فلقبوه ب «جزار البلقان». اسمه كتب بالدم، وامتزج برائحة الجثث المتعفنة تحت أنقاض المساجد، وبين أنقاض البيوت في البوسنة والهرسك. إنه ليس مجرد قاتل، بل هو وجه جديد من وجوه الحقد الصليبي المتجدد، ذلك الحقد الذي لم ينسَ أن هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ قد دوَّخ أوروبا يوما، ودكّ عروشها، وأذل ملوكها، فجاء هذا السفاح ليحاول الانتقام من العزَّل من الأطفال والنساء.
كان راتكو ملاديتش يقسم دائمًا أن يمحي أثر كل ما هو مسلم من البوسنة حتى تصبح الأرض كلها لصربيا صليبية خالصة، وكان هذا القسم يلهب حماس جنوده المتعطشين للدم، ويدفعهم لارتكاب جرائم أبشع في حق المدنيين من المسلمين، وفق صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، وكان يأمر قواته بإعدام وتعذيب واغتصاب المسلمين، لكونهم «ليسوا صربيين».
قاد ملاديتش الحصار الأطول في التاريخ الحديث، حيث استمر 1,425 يوما، واستخدمت قواته الصربية القصف العشوائي والقناصة ضد المدنيين المسلمين في سراييفو، مما أدى إلى مقتل أكثر من 11,000 شخص، بينهم 1,600 طفل، بالإضافة إلى سلاح الجوع.
كما أشرف ملاديتش على حملات التطهير العرقي ضد المسلمين البوشناق في مدن مثل برتشكو، وفوتشا، وبرييدور، وزفورنيك.
وكان الجيش الذي أنشأه ملاديتش للقتال في البوسنة نموذجًا للقسوة والوحشية في تقاليد المحارب الصربي، ومن أكثر الأمثلة فظاعةً لجرائمه: اختناق سجناء من شدة الحر والعطش بعد إجبارهم على أكل الملح وحرمانهم من الماء، وتعرضوا للتجويع والاغتصاب في معسكرات الاعتقال، وأُجبروا على القفز من جسر ثم أُطلق الرصاص عليهم، وقُتلوا ليلًا بالمئات بعدما أُخرجوا من أماكن احتجازهم باستخدام الغاز الكيميائي.
ثم جاءت مجزرة سربرنيتسا الشهيرة، حيث قتل هذا المجرم 8 آلاف من المسلمين العُزّل. كان يتلذذ بالموت. لم تكن مجزرة سربرنيتسا مجرد إبادة، بل كانت حفلة شيطانية، ذُبح فيها الرجال، وقُطعت فيها الرؤوس، وجُمع الأطفال في صفوفٍ ليُعدموا واحدًا تلو الآخر، من قلوب لم تعرف الرحمة، وكأنما عاد جيش الصليب ليكمل ما بدأه أجداده قبل ألف عام، يوم ذبحوا سبعين ألف مسلم في القدس، حتى سالت الدماء في شوارعها كما تسيل الأنهار.
وكان ملاديتش قد كلّف مصورًا بتصوير الهجوم على سربرنيتسا، وقال آنذاك للكاميرا: «نمنح هذه المدينة هدية للشعب الصربي»، مدعيا أن الانتصار كان انتقاما من الأتراك المسلمين الذين حكموا المنطقة سابقا بوصفها جزءا من الإمبراطورية العثمانية.
لم يكن القتل وحده هو الهدف، بل كان التعذيب قبل الموت هو المتعة الحقيقية لجنود ملاديتش. كانوا يقيدون الرجال، ثم يضعونهم في سجون تحت الأرض، ثم يكسرون عظامهم بالمطارق، ويقلعون أظافرهم واحدة تلو الأخرى، ويتركونهم ينزفون حتى الموت، وهم يتضاحكون ويتراهنون: كم ساعة سيصمد هذا المسلم قبل أن تفارق روحه جسده؟
أما الأطفال، فقد كانوا يسلخون أحياء، أو يضربون حتى تتكسر أضلاعهم، أو يرمون من المرتفعات أمام أمهاتهم، حتى يقتلوهن رعبا قبل أن يقتلوهن بالسكاكين.
وحول هذا الشيطان المريد، كان الاغتصاب جزءا من خطة التطهير العرقي، فلم يكن مجرد انتهاك للعرض فقط، بل كان حربا قذرة تستهدف تدمير النفوس. لقد أقام ملاديتش معسكرات خاصة لاغتصاب المسلمات، حيث يؤخذن قسرا، ويحتجزن شهورا، ويُغتصبن عشرات المرات يوميا، حتى يحملن في أرحامهن نسل القتلة، فلا يلدن إلا أبناء الصليب، في محاولة خسيسة لقتل المسلمين معنويا، بعد قتلهم جسديا.
وكان جنوده يدخلون القرى، فيجمعون النساء أمام أعين أزواجهن وآبائهن، ثم يتناوبون على اغتصابهن أمام أعين ذويهن، ليتركوا خلفهم نساءً محطمات، وأطفالًا فقدوا كل شيء، وكأنهم يقولون: لقد قتلناكم، ودمرناكم، ولم نترك لكم حتى شرفكم!
هدم المساجد… انتقام من صوت الأذان
لم يكن يكفيهم قتل المسلمين، واغتصاب نسائهم، وتشريد أطفالهم، بل كان هناك هدف أسمى: طمس الإسلام ذاته، ومحو كل أثر له في البوسنة، حتى لا يبقى إلا الصليب، وحتى يُرفع فوق منارات المساجد التي كانت يومًا تصدح بـ«الله أكبر».
ملاديتش أكثر من ألفي مسجد في البوسنة والهرسك. لم يكن يُدمرها بقذائف عشوائية، بل كان يأمر جنوده بتفجيرها أمام أعين المسلمين، وإجبارهم على المشاهدة، حتى يروا بيوت الله وهي تنهار، ويروا منارات مساجدهم وهي تسقط، كأنها أعمدة الإسلام تتحطم أمام أعينهم.
وكان يختار المساجد التي تحمل التاريخ الإسلامي العريق، مثل مسجد «فرهادية» ومسجد «الغازي خسرو بك»، وكان يأمر أن يُطمس كل أثر للعثمانيين الفاتحين الذين نشروا الإسلام في قلب أوروبا.
لقد ظن ملاديتش أنه أقوى من عدل الله، وأنه يستطيع أن يقتل ويسفك وينتهك دون أن يُعاقَب. ولكنه نسي أن للظلم نهاية، وأن الطغيان لا يدوم.
لقد دفع الثمن في حياته قبل مماته، فكانت لعنة المذبحة تلاحقه في بيته:
– ابنته آنا، التي كانت أحب الناس إليه، لم تحتمل أن تكون ابنة السفاح، ولم تستطع أن تهرب من ظلال المذابح التي ارتكبها والدها. كانت صور الدماء تطاردها، وكانت الأرواح التي أُزهقت تقض مضجعها، حتى دفعها هذا كله إلى أن تمسك بمسدس والدها المفضل، وتضع حدًا لحياتها برصاصة واحدة، لتسقط مضرجة بدمائها، وتكون أول ضحايا ملاديتش من أقرب الناس إليه! كانت هناك نظرية أخرى تنص على أن سبب انتحارها هو وفاة صديقها دراغان، الذي قُتل في حرب البوسنة والهرسك. المؤرخة يوجي برييفيتش تؤيد هذه النظرية، حيث كتبت أنها قتلت نفسها لمعاقبة والدها لإرسال صديقها للقتال في الصف الأول، حيث قُتل، ولعدم إخبارها بوفاته.
وحين عُثر على جسدها هامدًا، ملطخًا بدمائها، انهار ذلك الطاغية الذي أراق دماء الآلاف دون أن يطرف له جفن، ووقف أمام قبرها يبكي كطفل صغير، ذليلًا، ضعيفًا، بعدما فقد أعز ما يملك. وكأن الله أراد أن يُريه شيئًا مما جناه، وأن يجعل عقوبته ممتدة في حياته قبل مماته!
لكن العقوبة لم تتوقف عند ابنته، بل امتدت إلى أسرته كلها. فقد أُصيبت زوجته بوسيليكا بالسرطان، بينما عاش ابنه داركو معزولًا منبوذًا في صربيا، يطارده ماضي أبيه ومصير أخته، ويخنقه اسم العار الذي يحمله. لا يجد في الناس إلا نظرات الاحتقار، ولا يسمع إلا همسات الناس: «هذا ابن السفاح، ابن الجزار».
أما ملاديتش نفسه، فقد باعه الصرب أنفسهم، وفرّ كالفأر المذعور. عاش مطاردًا، وقضى 16 عامًا هاربًا، متخفيًا في القرى النائية، ومن بيت إلى بيت، حتى اعتقلته المخابرات الصربية، وسلّمته للمحكمة الدولية مقابل قبول صربيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، محرومًا من الهواء، ومن الحرية، ومن الشمس، كما حُرم آلاف المسلمين من حياتهم.
الرجل الذي قال لأحد المسلمين يومًا: «لا يستطيع الله أن يحميك، ولكن ملاديتش يستطيع!»، فكيف كان عقاب الله له؟ لقد حرمه الله من كل شيء، قتل ابنته، وابتلى زوجته، وأذل ابنه، وألقى به في سجن تحاصره دماء آلاف المسلمين، وصراخ آلاف النساء، ودموع آلاف الأطفال.
في 27 من غشت 2026، أعلن التلفزيون الرسمي الصربي وفاة الجنرال الصربي راتكو ملاديتش منبوذًا في السجن في لاهاي، ليُقدّم أمام عدالة الله. وأما المذبحة، فستظل لعنةً تلاحق اسمه إلى يوم القيامة، وسيظل صدى الأذان يعلو فوق أنقاض المساجد التي هدمها، ليخبره أن الإسلام باقٍ، وأن الظالمين زائلون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.