بين المجد الكروي وحقول الألغام السياسية عندما تختطف كرة القدم من المدرجات إلى ساحات الصراع

0 1

بقلم/ سيداتي بيدا

لم يكن احتفال المنتخب الأرجنتيني بتأهله إلى نهائي كأس العالم 2026 مجرد مشهد رياضي يوثق انتصارًا مستحقًا على المنتخب الإنجليزي، بل تحول إلى رسالة سياسية أعادت إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في التاريخ الحديث؛ قضية جزر مالفيناس، أو كما تعرفها بريطانيا بجزر فوكلاند. وبين هتافات الجماهير وفرحة اللاعبين، ارتفعت لافتة كتب عليها “جزر مالفيناس تابعة للأرجنتين”، لتعلن أن بعض الجراح التاريخية لا تزال تبحث عن منصة للحديث، حتى وإن كانت منصة كرة القدم.

جاء هذا المشهد بعد تصريحات نارية لنائبة الرئيس الأرجنتيني فيكتوريا فيلارويل، التي وصفت المنتخب الإنجليزي بـ”الغزاة”، معتبرة أن المواجهة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر إلى صراع رمزي مع الماضي. وبعد صافرة النهاية، عادت لتؤكد أن مالفيناس تسكن قلوب الأرجنتينيين، في خطاب يختزل كيف يمكن للسياسة أن تتسلل إلى أكثر المناسبات الرياضية احتفاءً بالوحدة الإنسانية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل انتصرت الرياضة فعلاً، أم انتصر الخطاب السياسي؟
كرة القدم وُجدت لتكون لغة تتجاوز الحدود، وجسرًا يربط الشعوب لا ساحة لتصفية الحسابات التاريخية. غير أن استدعاء الملفات السيادية خلال أكبر حدث رياضي في العالم يفتح الباب أمام مخاطر لا تقف عند حدود الشعارات، بل تمتد إلى إذكاء المشاعر القومية وإحياء نزاعات كان يفترض أن تُناقش على طاولات الدبلوماسية، لا فوق منصات التتويج.
المفارقة أن السلطات الأمريكية شددت الإجراءات الأمنية قبل المباراة ومنعت إدخال أي أعلام أو لافتات تحمل رسائل سياسية أو عنصرية، في محاولة للحفاظ على حياد البطولة. إلا أن الرسالة خرجت من قلب الاحتفال نفسه، لتؤكد أن السياسة حين تبحث عن نافذة، قد تجدها حتى في لحظة رفع الكأس.
قد يرى البعض أن الأرجنتين، التي خسرت حرب مالفيناس عام 1982، وجدت في انتصارها الكروي على إنجلترا تعويضًا معنويًا عن خسارة التاريخ، وأن ما فشل السلاح في تحقيقه حاولت الرمزية الرياضية استعادته. لكن الحقيقة أن الانتصارات الرياضية لا تُعيد الأراضي، كما أن الهزائم العسكرية لا تمحو حقائق الملاعب. لكل ميدان قواعده، ولكل معركة أدواتها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب كرة القدم هو تحويلها إلى امتداد للصراع السياسي. فعندما تختلط أقدام اللاعبين بخطابات السياسيين، تضيع براءة اللعبة، وتبهت رسالتها الإنسانية. فالمنتخبات لا ينبغي أن تتحول إلى جيوش، ولا الجماهير إلى وقود لمعركة لا علاقة لها بنتيجة مباراة.
يبقى الانتصار الحقيقي هو ذلك الذي يزرع الاحترام قبل الفرح، ويجعل المنافس خصما داخل الملعب لا عدوا خارجه
فالعالم يحتاج الى كرة قدم تطفئ نيران الخلاف لا الى مباريات تعيد اشعالها
وعندما تصبح الكاس وسيلة لتاجيج النزاعات بدل صناعة السلام فإن الجميع بخير حتى الفريق الذي غادر الملعب منتصرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.