نجيب اندلسي
خلفت واقعة منع دفن سيدة بإقليم الرشيدية موجة غضب واستياء واسعة وسط الرأي العام المحلي، بعدما ظلت جثتها لساعات طويلة دون دفن بسبب خلاف مرتبط بمقبرة تقع فوق أرض سلالية، في مشهد وصفه متابعون بـ”غير الإنساني” و”الصادم”.
وحسب معطيات متداولة، فإن عدداً من الأشخاص اعترضوا على دفن السيدة داخل المقبرة بدعوى أن عائلتها لا تنتمي إلى القبيلة المالكة للأرض السلالية التي توجد فوقها المقبرة، وهو ما أثار استنكاراً واسعاً بين المواطنين الذين اعتبروا أن حرمة الموتى وحق الإنسان في الدفن يجب أن يكونا فوق كل الاعتبارات القبلية أو العرفية.
وطالب عدد من النشطاء والفعاليات المحلية السلطات الإقليمية، وعلى رأسها والي جهة درعة تافيلالت وعامل إقليم الرشيدية، بالتدخل العاجل من أجل وضع حد لمثل هذه التصرفات التي تعيد إلى الواجهة مظاهر التعصب والجهل، مؤكدين أن المقابر تبقى فضاءً إنسانياً ودينياً مفتوحاً أمام جميع المسلمين دون تمييز.
كما اعتبر متابعون أن القانون المغربي لا يجيز حرمان أي شخص من حق الدفن بسبب الانتماء القبلي أو العائلي، خاصة في ظل ما تنص عليه القيم الدينية والدستورية من مساواة وكرامة إنسانية.
وختمت عدة أصوات تدويناتها بالتأكيد على أن “الأرض لله، والوطن للجميع”، داعية إلى تغليب روح التضامن والرحمة واحترام حرمة الأموات بعيداً عن أي حسابات
لكن في حقيقة الأمر، فإن أصل النزاع لا يتعلق برفض دفن متوفاة كما تم الترويج له، بل يعود إلى إقدام مجموعة من الأشخاص على محاولة فرض مقبرة جديدة فوق أراض سلالية تابعة لقبيلة تغنبوت، خارج الأعراف والمساطر القانونية الجاري بها العمل. وهو ما اعتبرته القبيلة تعديا على أراضيها الجماعية ومحاولة لخلق أمر واقع يخدم أهدافا مرتبطة بوضع اليد على الأرض أكثر مما يرتبط بالحاجة الفعلية إلى مقبرة.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن القبيلة المعنية تتوفر أصلا على مقبرة قائمة، كما تتوفر على أراض خاصة بها يمكن استغلالها لإحداث مقبرة جديدة وفق المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول دوافع اختيار أراض سلالية لقبيلة أخرى دون غيرها.
وأمام خطورة الوضع وإمكانية تطوره إلى نزاع اجتماعي، اختارت قبيلة تغنبوت اتباع المسالك القانونية والمؤسساتية، من خلال اللجوء إلى السلطات القضائية والأمنية والترابية قصد تطبيق القانون وإنصاف جميع الأطراف. وهو سلوك يعكس إيمان القبيلة بدولة المؤسسات ورفضها لمنطق الفوضى وفرض الأمر الواقع.
في المقابل، فإن التصرفات التي أقدمت عليها الجهة الأخرى أوحت للكثيرين بمحاولة تجاوز القوانين والأعراف المحلية، من خلال السعي إلى فرض واقع جديد بالقوة، وهو ما ساهم في تأجيج الوضع وإعطاء القضية أبعادا أكبر من حقيقتها.
ورغم كل ذلك، فإن قبيلة تغنبوت تعاملت مع قضية المتوفاة بمنتهى الإنسانية والمسؤولية، انطلاقا من احترامها لحرمة الموتى وواجب إكرام الميت. فقد عرضت على أهل الفقيدة دفنها داخل المقبرة التابعة للقبيلة، بل وتم بالفعل حفر قبر خصيصا لهذا الغرض، في انتظار موافقة أسرة المتوفاة، حتى يتم تجاوز الظرف الإنساني الحساس وترك أصل النزاع للجهات المختصة كي تحسم فيه وفق القانون.
والحقيقة أن مثل هذه القضايا تستدعي التحلي بالحكمة والتعقل وتغليب صوت العقل والمؤسسات بدل الانجرار وراء الروايات الأحادية أو محاولات التأثير العاطفي على الرأي العام. كما أن الإعلام الجاد مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحقق من المعطيات وعدم الاكتفاء برواية طرف واحد، لأن الانحياز أو التسرع في النشر قد يساهم في تعميق الاحتقان الاجتماعي بدل المساهمة في التهدئة وكشف الحقيقة كاملة.
وفي النهاية، يبقى احترام القانون والمؤسسات هو السبيل الأمثل لحل مثل هذه النزاعات، مع ضرورة الحفاظ على قيم التضامن والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع، بعيدا عن كل أشكال الاستغلال أو التوظيف المغرض للقضايا الإنسانية.