بين قدسية الشعيرة وقسوة السوق من يحمي المواطن من جشع المواسم

0 79

بقلم/ سيداتي بيدا

في كل موسم ديني تتجدد الأسئلة ذاتها، لكن هذه السنة تبدو أكثر إلحاحًا ومرارة: إلى متى سيظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف في معادلة الأسواق؟ وإلى متى تتحول المناسبات الروحية إلى مواسم استنزاف اجتماعي ونفسي واقتصادي؟
لقد كان من المنتظر أن تلامس خطبة الجمعة نبض الشارع الحقيقي، وأن تنفتح على معاناة الأسر المغربية التي تواجه عيد الأضحى هذه الأيام بقلق ثقيل، في ظل الارتفاع المهول لأسعار الأضاحي وما رافقه من التهاب غير مبرر في أسعار الفحم والخضر والفواكه ومختلف المواد المرتبطة بالعيد. فالمشهد لم يعد مجرد تقلب عادي للأسواق، بل أصبح حالة من الفوضى التجارية التي تستدعي وقفة أخلاقية ومجتمعية حازمة.
لا أحد يعارض منطق التجارة المشروعة، لكن ما يحدث في بعض الأسواق يتجاوز حدود الربح الطبيعي إلى ممارسات تثير الكثير من علامات الاستفهام، حيث يستغل بعض المتدخلين حاجة المواطنين ولهفتهم الموسمية لتحقيق مكاسب مبالغ فيها، في غياب حس إنساني يراعي الظروف الاجتماعية الصعبة لفئات واسعة من المجتمع.
الأخطر من ذلك أن الضغط الاجتماعي جعل العديد من الأسر تعيش العيد بمنطق الإكراه لا بمنطق الطمأنينة، حتى صار البعض يلجأ إلى الاقتراض أو التضحية بأولويات معيشية أساسية فقط لتفادي نظرة المجتمع أو الإحساس بالعجز. وهنا بالضبط تظهر الحاجة إلى خطاب ديني وتوعوي أكثر جرأة وواقعية، يذكر الناس بأن الأضحية سنة مؤكدة وليست فرضًا، وأن الدين لا يبنى على المشقة ولا على إذلال الناس تحت ضغط العادات والتقاليد.
إن المرحلة اليوم تحتاج إلى خطاب مسؤول يواجه ثقافة الاستغلال بصراحة، دون تشهير أو اتهام مباشر، ويعيد التذكير بأن التجارة ليست مجرد أرقام وأرباح، بل أخلاق أيضًا. فحين تتحول مناسبة دينية قائمة على الرحمة والتكافل إلى مصدر خوف وارتباك داخل آلاف البيوت، فإن الخلل لا يكمن فقط في الأسعار، بل في غياب الضمير الاجتماعي لدى بعض الفاعلين داخل السوق.
لسنا بحاجة إلى خطابات موسمية باردة، بل إلى مواقف صادقة تعترف بمعاناة الناس، وتدعو إلى التخفيف عنهم بدل تركهم وحدهم في مواجهة موجة غلاء لا ترحم. لأن المجتمع الذي يفقد حس التضامن في مواسم الرحمة، يفتح الباب تدريجيًا أمام قسوة اقتصادية تهدد تماسكه الإنساني قبل قدرته الشرائية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.