تاونات.. السلطات تعترض مسيرة على الاقدام نحو فاس للمطالبة برفع “التهميش والاقصاء”
عادل عزيزي
لم يعد إقليم تاونات مجرد جغرافيا جبلية مهمشة، بل صار عنوانا يوميا لحراك اجتماعي متجدد، كل أسبوع تقريبا يخرج سكان دوار أو جماعة في مسيرة أو وقفة، مطالبين بما هو بديهي، ماء صالح للشرب، طرقات تفك العزلة، مستشفى يقدم خدمات حقيقية، ومدارس تحفظ حق أبنائهم في التعلم، ما يحدث ليس ترفا نضاليا، بل هو انعكاس لوضع مأزوم جعل من الحق في العيش الكريم مادة احتجاج دائمة.
المسيرة الأخيرة لسكان جماعة بوعروس صوب ولاية جهة فاس مكناس “الاثنين 22 شتنبر 2025” ليست سوى حلقة جديدة في هذا المسار، شيوخ وشباب قطعوا عشرات الكيلومترات على الأقدام بعد أن ضاقت بهم الوعود الرسمية، وقرروا أن صوتهم يجب أن يسمع خارج حدود جماعتهم.
لكن الدولة، وقد خبرت احتجاجات مماثلة في تاونات وخارجها، لم تنتظر وصول المسيرة إلى وجهتها، اعترضتها مبكرا بالقوات المساعدة والدرك، قبل أن تنتقل إلى أسلوب “الترغيب” عبر إرسال مسؤولين للتفاوض ووعد المحتجين بلقاء مباشر مع عامل الإقليم، وهكذا، عبر مزيج من العصا والجزرة، جرى احتواء الغضب مؤقتا.
غير أن السؤال الجوهري هنا، إلى متى يمكن لهذه المقاربة الأمنية – الترقيعية أن تظل فعالة؟ الواقع أن الاحتجاجات في تاونات تتكرر بوتيرة شبه أسبوعية، ما يكشف أن المشكلة ليست في طريقة تدبير لحظة احتجاجية معينة، بل في عمق السياسات العمومية التي أفرغت الخدمات الاجتماعية والبنيات التحتية من مضمونها االتنموي، وحولتها إلى مجرد شعارات انتخابية أو وعود مؤجلة.
هذه الدينامية الاحتجاجية المتكررة تكشف أن الإقليم يعيش تحت وطأة خصاص مزمن في أبسط مقومات العيش الكريم، فالحق في الماء أو التعليم أو العلاج لم يعد يتعامل معه كحق دستوري، بل كسلعة خاضعة للتسويف وأحيانا للمقايضة الانتخابية، وبذلك يصبح التهميش حالة بنيوية، لا مجرد خلل ظرفي.
تاونات بهذا المعنى ليست استثناء، بل مرآة لسياسات عمومية فشلت في جعل الحق في الماء، الصحة، التعليم، والشغل واقعاً ملموساً، لكن الإقليم، بكثافة احتجاجاته، يبعث برسالة قوية، الصبر الاجتماعي وصل إلى حدوده القصوى، وما لم يتم التعاطي مع المطالب الجوهرية بجدية، فإن دوامة الاحتجاج والاحتواء ستظل تتكرر، إلى أن يتغير ميزان القوى لصالح الساكنة المنظمة والواعية بحقوقها.
خلاصة القول، في تاونات، لم يعد العطش مجرد غياب ماء، ولا العزلة مجرد طريق غير معبدة؛ بل صار كلاهما محركا لفعل احتجاجي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويؤشر على أزمة أعمق من أن تعالج بالوعود والمناورات الظرفية.