*..«المد الجماهيري» لعبد الخالق الحمدوشي في ضيافة الاتحاد المغربي للشغل بأكادير*
فلاش24 اكادير/ مصطفى أيديد
في لقاء ثقافي ونقابي جمع بين قراءة الكتاب وشهادة مؤلفه، استعاد المشاركون صفحات من تاريخ النضال النقابي والسياسي والجمعوي بمدينة العرائش، وأكدوا أهمية توثيق الذاكرة النضالية ونقل تجاربها إلى الأجيال الجديدة.
احتضن مقر الاتحاد المغربي للشغل بأكادير، مساء السبت 17 أكتوبر 2026، لقاءً ثقافياً ونضالياً خُصص لتقديم وقراءة وتوقيع كتاب «المد الجماهيري»، للكاتب والمناضل النقابي عبد الخالق الحمدوشي، بحضور مؤلف الكتاب وعدد من مناضلي الاتحاد المغربي للشغل، في مبادرة جمعت بين الاحتفاء بالإنتاج الفكري واستحضار الذاكرة النضالية للحركة النقابية المغربية.
اللقاء، الذي نظمه الاتحاد الإقليمي والجهوي لنقابات أكادير وجهة سوس ماسة، شكل مناسبة لفتح نقاش حول أهمية الكتابة في توثيق التجارب النضالية، واستعادة مسارات العمل النقابي والسياسي والجمعوي، وإبراز دور الثقافة والمعرفة في تعزيز وعي المناضلين بالقضايا العمالية والتحولات المجتمعية.
الحسين بولبرج: تثقيف المناضلين وتوثيق التجارب جزء من العمل النقابي
افتُتح اللقاء بكلمة للكاتب الجهوي للاتحاد المغربي للشغل، الحسين بولبرج، رحب فيها بالكاتب والمناضل عبد الخالق الحمدوشي وبالحاضرين، مقدماً السياق الذي يندرج فيه تنظيم هذا اللقاء الثقافي والنضالي، ومبرزاً أهمية الانفتاح على الكتابات والتجارب التي توثق تاريخ الحركة النقابية والاجتماعية.
وأكد بولبرج أهمية تنظيم لقاءات تقديم الكتب وقراءتها بحضور المناضلين، باعتبارها مساهمة في تثقيف العمال والموظفين وتوسيع معارفهم وإطلاعهم على تجارب الآخرين، فضلاً عن تشجيع الفاعلين النقابيين على الكتابة حول تجاربهم الشخصية والجماعية، حتى لا تضيع صفحات مهمة من تاريخ النضال الاجتماعي والسياسي.
وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة بالنظر إلى ما تختزنه الحركة النقابية المغربية من تجارب غنية، ظل جزء منها محفوظاً في الذاكرة الشفوية للمناضلين، دون أن يجد طريقه إلى التوثيق والنشر.
الحسن باكريم يقدم قراءة في مضامين الكتاب وأهمية توثيق الذاكرة النضالية
وعقب الكلمة الافتتاحية، قدم الصحافي والباحث الحسن باكريم قراءة في كتاب «المد الجماهيري»، انطلقت من مضامين فهرسه ومحاوره الأساسية، متوقفاً عند دلالات العنوان والقضايا الفكرية والاجتماعية والنقابية التي يثيرها المؤلف.
وأبرز باكريم أن مفهوم «المد الجماهيري» يحيل على دينامية العمل الجماعي والتعبئة الشعبية، وعلى الأدوار التي اضطلعت بها التنظيمات النقابية والسياسية والجمعوية في تأطير المواطنين والدفاع عن مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية.
كما تناولت القراءة أهمية الكتاب باعتباره شهادة على تجربة نضالية ممتدة، تتجاوز السيرة الشخصية لصاحبها لتلامس جوانب من التاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة العرائش، وتستحضر طبيعة العلاقات التي نسجتها التنظيمات النضالية مع المجتمع والسلطات ومختلف الفاعلين.
وتوقف باكريم عند أهمية تحويل التجارب النضالية إلى ذاكرة مكتوبة، مؤكداً أن المناضلين يراكمون خلال عقود من العمل الميداني تجارب وخبرات ومعارف ثمينة، غير أن جزءاً مهماً منها يظل معرضاً للضياع إذا لم تتم كتابته وتوثيقه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية كتاب «المد الجماهيري» بالنسبة للمناضلين والقراء والباحثين، باعتباره مادة تساعد على فهم مسارات النضال الاجتماعي، والتعرف على ظروف تشكل الحركات المطلبية، واستيعاب ما راكمته التنظيمات من مكتسبات، وما واجهته من صعوبات وتحديات.
عبد الخالق الحمدوشي يكشف كواليس تأليف الكتاب ودور زوجته في إخراجه إلى الوجود
بعد قراءة الحسن باكريم، أخذ مؤلف الكتاب عبد الخالق الحمدوشي الكلمة، حيث قدم عرضاً مطولاً حول ظروف إنجاز مؤلفه، مستحضراً المسار الذي قاده إلى تحويل سنوات من التجربة النضالية إلى عمل مكتوب يوثق محطات من حياته ومن تاريخ الحركة النقابية والسياسية والجمعوية بمدينة العرائش.
وكان من بين الجوانب الإنسانية التي كشف عنها الحمدوشي خلال مداخلته الدور المهم الذي اضطلعت به زوجته في إنجاز الكتاب، موضحاً أن عملية الكتابة قامت على تعاون يومي بينهما؛ إذ كان يحرر النصوص بخط يده، باستعمال القلم والورق، فيما كانت زوجته تتولى كتابتها على الحاسوب، في تجربة أسرية مشتركة أسهمت في إخراج هذا العمل إلى حيز الوجود.
كما تحدث المؤلف عن انضباطه في الكتابة، مشيراً إلى أنه كان يخصص ساعات الصباح الباكر لهذا العمل، بعد ممارسة الرياضة والسباحة، قبل أن ينصرف إلى استحضار الوقائع والأحداث وتدوين تفاصيل التجارب والمحطات التي عاشها أو شارك فيها.
وتكشف هذه التفاصيل جانباً آخر من مسار إعداد الكتاب، يتمثل في الصبر والمثابرة والالتزام الشخصي، فضلاً عن المساندة الأسرية التي شكلت عاملاً مساعداً في استكمال هذا المشروع التوثيقي.
من النضال النقابي إلى المد الشعبي.. استحضار تجربة العرائش
ولم تقتصر مداخلة عبد الخالق الحمدوشي على ظروف التأليف، بل قدم عرضاً مفصلاً لمضامين الكتاب، مستعيداً محطات من تجربته داخل التنظيمات النقابية والسياسية والجمعوية، والأدوار التي ساهم من خلالها في تأطير عدد من المبادرات والحركات الاجتماعية بمدينة العرائش.
وتوقف المؤلف عند ما وصفه بالمد الشعبي الذي عرفته المدينة خلال مراحل من تاريخها، مبرزاً أشكال التعبئة والتنظيم التي ساهمت فيها الإطارات النقابية والسياسية والجمعوية، وعلاقاتها بساكنة المدينة، فضلاً عن طبيعة تعاملها مع السلطات المحلية ومختلف المؤسسات.
كما استعرض جوانب من النضالات المطلبية والاجتماعية، وما رافقها من تحديات تنظيمية وعلاقات متشابكة بين الفاعلين، في سياق اتسم أحياناً بالتعاون والتنسيق، وأحياناً أخرى بالتوتر والصراع والاختلاف في المواقف والتوجهات.
ومن بين المحطات التي أثارت الاهتمام خلال عرضه، حديثه عما اعتبره دسائس ومناورات استهدفت العمل النقابي والسياسي والجمعوي بمدينة العرائش، مشيراً إلى أن بعض هذه الممارسات صدرت، وفق شهادته، عن رجال سلطة، فيما ارتبط بعضها الآخر بأشخاص محسوبين على العمل النضالي نفسه.
وقد أتاحت هذه الشهادة استحضار جانب من تعقيدات الممارسة النقابية والسياسية، والصعوبات التي قد تواجه التنظيمات الجماهيرية، ليس فقط في علاقتها بمحيطها المؤسساتي، وإنما أيضاً من خلال الخلافات والتناقضات التي تنشأ داخل الفضاء النضالي.
وتكتسي هذه الشهادات أهمية توثيقية، باعتبارها تفتح المجال أمام الباحثين والمهتمين بالتاريخ الاجتماعي والسياسي لمقاربة أحداث وتجارب من وجهة نظر أحد المشاركين فيها، مع ما يتطلبه البحث التاريخي من مقارنة الشهادات بمصادر ووثائق أخرى.
نقاش مفتوح مع المناضلين حول الكتاب وتجربة المؤلف
وبعد العرض الذي قدمه عبد الخالق الحمدوشي، فُتح باب النقاش أمام الحاضرين، حيث شهد اللقاء مجموعة من المداخلات والأسئلة التي تناولت جوانب من مضمون الكتاب والمسار النضالي لمؤلفه.
واستهل عدد من المتدخلين مساهماتهم بالتنويه بأهمية إصدار هذا العمل، وبالمبادرة الثقافية التي أتاحها الاتحاد المغربي للشغل، معتبرين أن مثل هذه اللقاءات تساهم في تعزيز التواصل بين الأجيال النضالية، وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب.
كما تمحورت الأسئلة والمداخلات حول تجربة الحمدوشي في العمل النقابي والسياسي والجمعوي، وحول بعض القضايا والمحطات التي استحضرها في كتابه وعرضه، بما أضفى على اللقاء طابعاً تفاعلياً تجاوز التقديم التقليدي للكتب إلى حوار حول الذاكرة والممارسة النضالية.
«المد الجماهيري».. كتاب يتجاوز السيرة الذاتية إلى التاريخ الاجتماعي
وتبرز أهمية كتاب «المد الجماهيري» في كونه لا يقتصر على تقديم مسار شخصي لمناضل نقابي، بل يتيح، من خلال الشهادات والوقائع التي يستحضرها مؤلفه، الاقتراب من جوانب من تاريخ الحركات الاجتماعية والتنظيمات النقابية والسياسية والجمعوية بمدينة العرائش.
فالكتاب يعيد الاعتبار إلى أدوار الفاعلين المحليين في صناعة الأحداث والتأثير في التحولات الاجتماعية، كما يبرز أهمية العلاقة بين التنظيمات الجماهيرية والمجتمع، وبين المطالب اليومية للمواطنين والقضايا الكبرى المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والكرامة والحقوق.
ومن هذه الزاوية، فإن قيمته لا تهم المناضلين النقابيين وحدهم، وإنما تمتد إلى عموم القراء والطلبة والباحثين في التاريخ الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية، باعتباره شهادة يمكن الاستفادة منها في دراسة تحولات المجتمع المغربي خلال العقود الماضية.
كما يقدم مثالاً على إمكانية انتقال المناضل من ممارسة الفعل النقابي والسياسي إلى توثيقه وإخضاعه للتأمل والمراجعة، بما يسمح بتحويل التجربة الميدانية إلى رصيد معرفي متاح للأجيال اللاحقة.
توثيق الذاكرة النضالية.. من الشهادة الفردية إلى المعرفة الجماعية
وأعاد لقاء أكادير التأكيد على ضرورة الاهتمام بتاريخ الحركة النقابية المغربية، وتشجيع الفاعلين الذين راكموا تجارب طويلة على تدوين شهاداتهم ونشر مذكراتهم ووثائقهم.
فالذاكرة النقابية ليست مجرد استعادة لأحداث الماضي، وإنما تشكل جزءاً من التاريخ الاجتماعي للمغرب، بما تتضمنه من معارك مطلبية وتضحيات ومكتسبات وصراعات واختلافات وتجارب في التنظيم والتفاوض والتأطير.
كما أن توثيق هذه الذاكرة يتيح للأجيال الجديدة التعرف على الظروف التي نشأت فيها المطالب الاجتماعية، وفهم طبيعة العلاقات التي جمعت الفاعلين النقابيين والسياسيين والجمعويين بمؤسسات الدولة والمجتمع.
وتزداد قيمة هذه الكتابات عندما تنفتح على النقد والتقييم، ولا تكتفي باستحضار النجاحات والإنجازات، بل تتناول كذلك الإخفاقات والتناقضات والصعوبات التي رافقت التجارب النضالية.
واختُتم اللقاء بتوقيع نسخ من كتاب «المد الجماهيري»، في أجواء طبعتها روح التواصل والتقدير المتبادل بين المؤلف والحاضرين.
وهكذا، شكلت مبادرة الاتحاد المغربي للشغل بأكادير محطة ثقافية ونضالية أكدت أن العمل النقابي لا ينحصر في الدفاع عن المطالب الاجتماعية والمهنية، بل يمتد إلى إنتاج المعرفة وصيانة الذاكرة الجماعية.
ولعل أبرز رسالة حملها هذا اللقاء أن التجارب النضالية، مهما بلغت أهميتها، تظل معرضة للنسيان إذا لم تتحول إلى شهادات ووثائق وكتب؛ فالمناضلون يصنعون الأحداث، لكن الكتابة هي التي تمنح تلك الأحداث فرصة البقاء في الذاكرة والتاريخ.