عادل عزيزي
لا تحدث التحولات الكبرى في مسار الأمم بالمصادفة، فالانتصارات الحقيقية لا تولد من الحظ، بل من قرار واع بأن نكون أفضل مما كنا عليه، وما قدمه المنتخب المغربي لكرة القدم، لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل تجربة وطنية مكثفة أعادت تعريف معنى الانتماء، ورسخت في الوعي الجمعي أن النجاح حين يدار بعقلية صحيحة يصبح قابلا للتكرار خارج حدود الملاعب.
لم يلعب المنتخب المغربي لمجرد المشاركة، بل نافس ليفوز، وقاتل ليصمد، وآمن ليَنتصر، لاعبون حملوا القميص الوطني كمسؤولية تاريخية لا كرمز شكلي، فكان كل تدخل دفاعي تعبيرا عن الالتزام، وكل انطلاقة هجومية رسالة أمل، وكل دقيقة لعب شهادة على أن حب الوطن فعل عملي لا خطاب عاطفي.
هذا الأداء لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية واضحة وقيادة آمنت باللاعب قبل النتيجة، وبالمشروع قبل اللحظة، قيادة استطاعت تحويل المستحيل إلى ممكن، والممكن إلى استحقاق، واستثمار الإخفاقات السابقة كرافعة للتميز لا كذريعة للتراجع.
صدقوني لم أكن أتابع مباريات كرة المنتخب لأجل الفوز فقط، كنت أراقب سلوك اللاعبين وهم يقاتلون، وهم ينزفون، وهم يضعون جبال الأطلس في قلوبهم وسهول سوس بين خطواتهم، قلت من صنع فيكم كل هذا الحب، من حرك فيكم كل هذا الحب ونحن الذين بقينا عقودا طويلة “نشارك لأجل المشاركة” ونسخر من أدائنا ونتائجنا، من الذي أعاد تعريف الوطنية في أدمغتكم أيها الأبطال؟
كنت أراهم يخلصون كل كرة من الخصم، يبعدون الخطر عن المرمى، يمسكون شعار الوطن على صدورهم بإصرار وعصبية، كأنهم يقولون، لو أخذت قلبي فلن تأخذ الكرة.
كأنهم جميعا يقاتلون من أجل هذه النجمة، لا من أجل مجرد تتويج القمة، ويثبتون أن الانتماء للوطن مسؤولية عملية قبل أن يكون شعارا على الصدر.
لا شيء يأتي بالصدفة، ثمة شخص قال لكل لاعب أنت مُلكاً للوطن ومَلكاً للحب فلا تخذل من ملكت ولا من ملكك..
أنا لا أتحدث عن الرياضة ، أنا أتحدث عن الوطن ، عندما تقرر أن تكون رقما صعبا.. تعجز كل المطارق عن كسرك..
لأن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في كونه نموذجا قابلا للاستنساخ، فالروح التي صنعت الفارق في المستطيل الأخضر يجب أن تنتقل إلى الاقتصاد، حيث نحتاج إلى إدارة تفكر بعقلية الفوز لا بعقلية تسيير الخسائر، اقتصاد يهاجم الفرص بدل الاكتفاء بتفادي الأزمات، ويؤمن أن التنمية تبنى بالجرأة والتخطيط والاستمرارية، لا بالانتظار، و بربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يجب أن تمتد هذه العقلية إلى قطاع التعليم، باعتباره الأساس الأول لبناء الإنسان، تعليم يؤمن بأن كل تلميذ مشروع نجاح، لا رقما في الإحصاءات ولا عبئا على المنظومة، تماما كما آمن المدرب بلاعبيه ومنحهم الثقة والمسؤولية، يحتاج أبناؤنا إلى منظومة ترى فيهم القدرة على المنافسة العالمية، لا مجرد اجتياز الامتحانات.
أما قطاع الصحة، فهو الميدان الذي لا يحتمل الخطأ، هناك، تدار المباراة بروح الدقيقة التسعين، حيث لا مجال للتردد ولا رفاهية الاستسلام، أطر طبية وإدارية تعمل بروح الفريق الواحد، مدركة أن كل قرار قد يعني حياة إنسان، وأن الالتزام والجاهزية هما خط الدفاع الأول عن المجتمع.
ولا يمكن أن ننسى السياسة، فهي تتطلب لاعبين قادرين على اتخاذ القرارات الصعبة بروح وطنية، لا بالمصالح الشخصية أو الحسابات الضيقة، السياسي الحقيقي هو من يرى في خدمة الوطن مشروعا تاريخيا، لا مجرد أداة للسلطة، ويؤمن بأن التخطيط طويل المدى، والشفافية، والمحاسبة، والقدرة على الإصغاء للمواطنين، هي أساس الانتصار الوطني.
إن الدول لا تنهض بالمعجزات، بل بالرجال والنساء الذين يؤدون أدوارهم بعقلية اللاعبين الكبار، نحتاج إلى “لاعبين” في كل قطاع، في الإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبحث العلمي، لاعبين منضبطين، ملتزمين، يؤمنون بأن خدمة الوطن ليست وظيفة تؤدى، بل مسؤولية وطنية وشرف يصان.
هذه ليست قصة كرة قدم..
بل رسالة وطنية واضحة..
بل حكاية وطن فهم أن الانتصار ليس صدفة..، وأن ما يدار بعقلية صحيحة داخل الملعب، يمكن أن يتحول إلى نموذج يحتذى به خارج الملاعب، في الاقتصاد، والتعليم، والصحة، وكل ميادين البناء الوطني…