الكتابة على الجدران.. 

0 118

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

عادل عزيزي

يخيل إلي أحيانا أن المقبرة محبرة، وأن القبور أقلام ممددة، وما خط على الحائط الطويل هي خربشات حية كتبت فوق الرؤوس المرتاحة لكي لا يقرأها أحد.

اكتشفت، أخيرا، أن أكثر العبارات عمقا وأكثرها تكثيفا حول الحياة تلك التي كتبها العابرون على جدران المقابر من مكلومين ومحبطين وسكارى هاربين من خداع الأحياء، بعضهم كتبها بالطبشور، والآخر بقطعة فحم “الفاخر”، وثالث بأداة حادة جرح بها وجه الحائط الصامت وخط عباراته..

كما أن أكثر العبارات قوة وسخرية تلك التي تكتب على أبواب المراحيض العمومية من الجهة الداخلية، وكأن أحدهم لا يأتيه وحي الحكمة عن الحياة سوى فوق رؤوس الموتى، ولا تأتيه قوة التعبير وامتطاء صهوة الحرية والشعور بالأمان سوى في المرحاض؛

ففيه يكتب كل ما يجول في الخاطر من مختلف التوجهات والأفكار والأحاسيس من دون الخوف من الملاحقة، فالحبر يكتب بجانب الحبر، وفي هذا المكان يتعفف خبراء الخطوط عن الحضور لمعرفة الجاني أو طويل اللسان.

وعودة إلى عبارات الجدران الأكثر عمقا، كتب أحدهم على أحد الجدران بخط مقروء وكبير “ربما تفشل إذا خاطرة، ولكن من المؤكد أنك ستفشل إذا لم تخاطر”، وكتب آخر “تضيء شمعة صغيرة خير من أن تلعن الظلام”.

وغيرها الكثير من الحكم كتبت بخطوط مختلفة وأزمان مختلفة وظروف مختلفة، من الذي يستطيع أن يقف بين كل هذا الموت المعتق ليستخلص عصارة حياة، كيف تأتيه العبارة؟ وإن كان ناقلها لم أراد وضعها هنا بين الوسائد الحجرية حيث لا أحلام ولا خيبات ولا غد مختلف؟ على أي حال ظاهرة الكتابة على حيطان المقابر وعلى أبواب المراحيض العمومية تستحق الدراسة، ولو أنني أخشى أن أتهم بالجنون لقلت إن هذه العبارات قد كتبت بأيدي الأموات في استراحة الليل أو بين غفوتين، لأنها حكم الغائب وخلاصات المجرب.

إن تجاهل هذه الكتابات يعني تجاهل نبض خفي في الجسد الاجتماعي، فهي ليست تشويها للذوق بقدر ما هي تشخيص، ليست فوضى لغوية، بل نظام بديل للكلام..

وحين نتعلم أن نقرأ الجدران، نكتشف أنها لا تصرخ عبثا، بل تهمس بحقائق مؤلمة، أن الحرية ما زالت مؤجلة، وأن الصوت حين يمنع من الكلام، يجد طريقه دائما إلى الحجر..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.