هناك خلل..!

0 547

 

نعم، هناك خلل..، لأن ما يقع في مزارعنا وودياننا اليوم ليس فقط “تلوثا بيئيا” عابرا ناتجا عن نشاط فلاحي موسمي…
ما يقع هو أقرب إلى جريمة صامتة تُرتكب ببطء، ضحاياها الإنسان قبل الشجر، والماء قبل الأرض، والحياة قبل كل شيء، ما يقع هو تفريغ سموم المرجان في الحقول والوديان، دون حسيب ولا رقيب.
نعم، هناك خلل، يستدعي المعالجة..
خلل فاضح، مكشوف، ومزمن، لا يحتاج إلى لجان ولا إلى تقارير سرية لاكتشافه.
يكفي أن تمر قرب واد في موسم الزيتون..
أن تشم الرائحة..
أن ترى اللون..
أن تلاحظ كيف تختنق الأرض ببطء..
لتفهم أن ما يحدث ليس مجرد تلوث…
بل جريمة بيئية موسمية ترتكب بهدوء، وبترخيص غير معلن..!
الحديث عن حماية البيئة صار طقسا إداريا روتينيا مملا، قرارات تعلن مع بداية الموسم،
اجتماعات مغلقة..
بلاغات تعلق..
تحذيرات تتلى..
ثم تفرغ أول شحنة من مادة “المرجان” في واد أو أرض فلاحية،
فينتهي كل شيء…
وتبدأ الكارثة.
لكن من المسؤول؟
سؤال يبدو بسيطا، لكنه في الواقع لغز محكم!
أرباب المعاصر يقولون، نحن مكرهين، الإمكانيات جد محدودة..
السلطة تقول، نحن نراقب..
والنتيجة واحدة..
المرجان يفرغ..
الوادي يختنق..
والبيئة تترك بلا حماية..!
أين الخلل إذن..؟
الخلل ليس في غياب القوانين،
بل في غياب من يجرؤ على تطبيقها!
قرارات تتخذ خلف الجدران..
تعليمات تقرأ في الاجتماعات وتنسى عند أول اختبار حقيقي!
رقابة شكلية..
لجان موسمية..
عقوبات رمزية،
وتداخل مصالح يجعل المخالف جزءا من المشهد، لا استثناء فيه!
وهكذا تتحول المعاصر، من نشاط اقتصادي مشروع،
إلى مصادر تلوث منظمة،
تعمل تحت السمع والبصر،
دون خوف،
ودون خجل،
ودون محاسبة..!
والأكثر سخرية أن مادة المرجان تعرف جيدا أين تفرغ.
لا تقترب من ضيعات النافذين،
ولا تلقى قرب مزارع المسؤولين،
هي مادة “ذكية”،
تختار القرى،
تختار الهامش،
تختار حيث لا شكاية ولا متابعة.
لا معنى لقرارات المنع دون إجراءات قسرية..
ولا قيمة للتحذيرات دون إغلاق المعاصر المخالفة.
ولا مصداقية لخطاب حماية البيئة،
بينما تترك الأودية تختنق،
والتربة تسمم،
إن استمرار هذا العبث لا يدمر البيئة فقط،
بل يهدد صحة الإنسان..
ونحن، حين ننتقد،
لا نطالب بإغلاق المعاصر،
ولا بمعاقبة أرباب المعاصر،
بل نطالب بتنظيم هذا القطاع،
برقابة ميدانية دائمة،
بعقوبات زجرية لا تساوم،
وبفصل واضح بين من يقرر
ومن يستفيد..
علينا أن نعترف، دون مواربة،
نعم، هناك خلل…
خلل في الإرادة..
خلل في التنفيذ..
وما لم يكسر هذا المسار المعطوب،
سنعود في الموسم القادم،
لنكتب المقال نفسه،
عن التلوث نفسه،
عن القرارات نفسها،
وعن الفشل نفسه…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.