حاشية المسؤول..
عادل عزيزي
ترددت كثيرا قبل أن أشرع في تحرير هذه السطور لاعتبارات متعددة، فمنها ما هو ذاتي كوني أومن بأن للمجالس أسرار، ومنها ما هو موضوعي، يكمن في موقفي من القضية نفسها التي أثقلت كاهل الجميع حتى أصبحت للقضية تداعياتها تثير الاشمئزاز لدي بخيوطها العنكبوتية وتطوراتها المحبطة في متاهة لولبية لا منتهية.. كان الخاسر الأكبر فيها هو أنا وأنتم..!
ولعل هذا التردد ايضا يعود لبصيص الأمل الذي كنت أنتظره وأرتجي حدوثه ومعولا على الوجوه الجديدة؛ لكن خاب الأمل بالتغيير المرجو، وكأنه ضرب من الخيال وحلم محال المنال..
سبب هذه المقدمة هو لحدث وقع معي بإحدى المدن المغربية، إليكم ما حدث..
التقيت صدفة أحد المسؤولين الذين مرو على رأس إحدى المؤسسات العمومية بتلك المدينة الجميلة.. أعرفه ويعرفني عن بعد، “يعرفني من خلال التقارير التي تصله”..، وقد كان لطيفا معي في لقائه هذا، فقد رحب بي بحفاوة لافتة، وأعلمني أنه كان يريد بأن يلتقيني حين كان مسؤولا، أخبرته أنها لمفارقة غريبة، إذ أني طلبت لقائه أكثر من مرة، لكن مدير مكتبه كان يتحجج كل مرة بإنشغالات رئيسه، الرجل سكت ولم يقل شيئا..!
فدار حديثا طويلا بيننا اطمئنت لأمانته وثقته فبثته سري وشكوت له أهل تلك المدينة الجملية، فراح الرجل يهون علي الخطوب بحديث شائق رائق فيه من العبر والأسرار ما لا تقوى على حمله الجبال الرواسي..
وهكذا ظل صاحبي مسترسلا في حديثه وأنا مصغ له باهتمام حتى فاجأني بالسؤال: هل تعرف الحاشية؟
قلت: أتقصد حاشية الكتاب؟
قال: بل حاشية المسؤول..!
قلت: وما علاقة هذا بموضوعنا؟
قال: بل هو صلب الموضوع..!
فلولا الحاشية المتملقة لما ظلم المسؤول.. ولولا الحاشية المنافقة لاحتل الكل موقعه المناسب وأصبح الرجل المناسب في محله، ولسارت الأمور في مجراها الطبيعي وفعلت ما فعلت في كل زمان ومكان، وستبقى تفعل الأفاعيل وتقول الأقاويل حتى يبلغ الله أمرا كان مفعولا.
ألا ترى كيف تقدم الحاشية التقارير للمسؤولين عن إنجازاتها منمقة بيضاء وعن أعمال غيرها خرقاء سوداء؟
ألا ترى كيف منعت الناس من وصول المسؤول وحجبت المسؤول عن الناس بنفاقها؟ تهول وتقلل ما شاء لها التهويل والتقليل..!
ألا ترى كيف ترفع للمسؤول تقارير غير دقيقة، تشوه بها صور جمعيات وفاعلين، فقط لتصنع لنفسها مكانا في الظل… مكانا لا تستحقه..؟
تهول حين تريد خلق بطل وهمي “كما تفعل مع رؤساء بعض الجمعيات”، وتقلل حين يخيفها بروز صوت صادق ” كما تفعل مع بعض الأصوات الحرة” ، ثم ترفع للمسؤول تقارير مصنوعة على مقاس مصالحها… تقارير لا هدف لها سوى تشويه جمعيات محترمة وناس لا ذنب لهم سوى أنهم لا ينحنون لها.
إنها لا تحمي المسؤول… بل تحجبه.
ولا تخدم المصلحة العامة… بل تخدم منطقة رمادية تعيش فيها، حيث تختلط الحقيقة بالافتراء، والصوت بالهمس، والحق بما يريده المتحكم في البوابة.
استمر “صاحبي” المسؤول يصف الحواشي ويضرب الأمثال تلو الأمثال حتى جعلني في الأخير أتساءل ببراءة طفل منع من الحليب، ولماذا يسمع المسؤول من حاشيته وبطانته ولا يسمع من المواطنين..؟!
ابتسم صاحبي.. وتنهد..
و استرسل في الحديث عن المقربين من المسؤول.. و قال إن أكثر ما يدمر المسؤولين الصالحين من هم حولهم من الحاشية الفاسدة..
في الغالب، الذين حول المسؤول “الحاشية و المقربين” لا يرفعون التقارير بالشكل الصحيح ويجعلون مصالحهم هي الأولى والأهم..؟
قاطعته بقولي لكن حاشية المسؤول؛ من المفروض أن تكون مرآة عاكسة لمنظومة القيم المتحكمة بعمل المسؤول، وأن تكون زينة لأخلاق وتصرفات المسؤول، لا بل وتتعدى حدود هذه الإفتراضات، لتصبح محطة لصناعة الثقة، بين المسؤول ومن يتطلب وجوده الإحتكاك بهم، مواطنين كانوا أو موظفين أو فاعلين أو مؤسسات المصالح الأخرى..
فأجابني، في وضعنا الراهن، تفاقم هذا المرض، وأخذ بعدا وبائيا..
فالحاشية تحولت الى “مركز قوة”، تمارس صلاحيات أوسع من تلك التي يتمتع بها المسؤول نفسه! فالمسؤول يعمل فوق الطاولة والحاشية تلعب تحت الطاولة..!
تصرفات حاشية المسؤول في المؤسسة أو الشارع، كلها تنم عن صلف وعنجهية وغرور، بل وإستهتار بكل الأخلاق والقيم..
الأخطر هو تصرف تلك الحاشية داخل المؤسسة، فهم السد المنيع بين المسؤول و المواطنين، حتى بات الوصول الى المسؤول ضربا من الخيال..
لكن كل هذا لا يعفي المسؤول من مسؤولية كل مايقع..
فعليه أن ينزل للشارع..
و يتحدث مع الناس..
و يسمع شكواهم..
فهذا صلب عمله..!