خزانة تاونات.. نموذج إهمال الجانب الثقافي
عادل عزيزي
في ثمانينيات القرن الماضي، شكل إحداث خزانة تاونات للقراءة العمومية، خطوة ثقافية رائدة في منطقة كانت تعاني نقصا حادا في الفضاءات المخصصة للقراءة والتعلم، فقد كانت تلك المبادرة، في سياقها التاريخي، مكسبا حقيقيا ومؤشرا على رغبة المدينة في خلق نواة أولى لبنية معرفية قادرة على دعم التلاميذ والطلبة وإتاحة الكتاب للجميع.
غير أن هذا الفضاء، الذي حمل آمالا واسعة وافتتح ببوادر واعدة، ظل رهين الإهمال على مدى عقود، إلى أن تحول تدريجيا إلى مبنى يحفظ الذاكرة أكثر مما ينتج معرفة أو يقدم خدمة ثقافية حية.
منذ تأسيسها، لم تستفد الخزانة سوى من تدخلات سطحية لم تلامس عمق الإشكالات التي تعانيها، فالبنية الداخلية متقادمة وضيقة، لا توفر شروط الراحة ولا بيئة مناسبة للمطالعة أو للمذاكرة الجادة، خصوصا خلال فترات الامتحانات التي تشهد اكتظاظا كبيرا يفقد المكان وظيفته الأساسية.
كما أن التجهيزات المتوفرة محدودة للغاية؛ مقاعد وطاولات غير كافية، غياب تام للتقنيات الحديثة، وعدم توفر أي خدمات رقمية أو وسائط متعددة، وهو ما يجعل الخزانة خارج ركب العصر الرقمي الذي بات يمثل شرطا ضروريا لتطوير أي مؤسسة معرفية.
ويزيد الرصيد الوثائقي المتقادم من حدة الأزمة، فمعظم الكتب المتاحة قديمة ولم تحدث بالقدر الكافي، ما يحرم الطلبة والباحثين من مصادر حديثة ومتنوعة، ويدفع الكثيرين إلى البحث عن مراجع خارج المدينة.
هذا الضعف في المحتوى يجعل الخزانة عاجزة عن لعب دورها الطبيعي كداعم للعملية التعليمية، وكفضاء يوجّه الأجيال نحو القراءة والبحث.
لا يقف الخلل عند البنية والمحتوى، بل يشمل أيضا التدبير الثقافي للمرفق، ففتح الأبواب وإغلاقها يتم في إطار روتيني إداري لا يرافقه أي جهد لتنشيط الحياة الثقافية.
فلا ورشات للتشجيع على القراءة، ولا لقاءات مع الكتاب، ولا أنشطة للأطفال، ولا شراكات مع المؤسسات التعليمية أو الجمعيات المدنية، وهكذا يتحول فضاء كان يفترض أن يكون محركا للحياة الثقافية إلى مكان صامت لا يعكس حيوية مدينة تنمو عمرانيا واجتماعيا.
ومع التوسع الكبير الذي عرفته تاونات خلال العقود الأخيرة، يتضح أن خزانة واحدة متقادمة لا يمكنها بأي حال أن تواكب حاجيات ساكنة متزايدة ومتنوعة، فالطلاب يبحثون عن فضاءات للمذاكرة، والتلاميذ يحتاجون إلى أماكن تنمي علاقتهم بالكتاب، والمبدعون المحليون يحتاجون إلى فضاء يحتضن لقاءاتهم وأعمالهم، وكل هؤلاء يجدون أنفسهم أمام مؤسسة لا تستجيب لتطلعاتهم، في ظل غياب بدائل ثقافية أخرى.
إن إعادة تأهيل الخزانة الحالية أمر ضروري، لكنه لا يكفي، فمدينة بحجم تاونات تحتاج إلى رؤية ثقافية جديدة تقوم على خلق شبكة من المكتبات العمومية الحديثة، موزعة على مختلف الأحياء، ومجهزة بالكتب الورقية والرقمية، وبقاعات مطالعة واسعة، وبخدمات إلكترونية متقدمة، ولا يقتصر الأمر على البنية التحتية، بل يمتد إلى إعادة تعريف دور الخزانة كي تصبح فضاء للتعلم والإبداع والنقاش، لا مجرد مكان لحفظ الكتب.
من هنا تبرز الحاجة الملحة والموضوعية لإحداث خزانات عمومية جديدة تليق بتاريخ مدينة تاونات وهويتها الثقافية، فمدينة بهذا الامتداد التاريخي والبشري تستحق شبكة من المكتبات العصرية، موزعة على عدة أحياء، مجهزة تجهيزا حديثا، وتوفر خدمات رقمية وورقية، وتحتضن الأنشطة القرائية والثقافية بشكل مستمر.
ولا يتعلق الأمر بتوسيع العرض فقط، بل بإعادة تعريف دور الخزانة العمومية لتصبح فضاء حيا يجمع بين التعلم والترفيه والإبداع، ويعكس صورة مدينة تؤمن بالمعرفة كجزء من الذاكرة الوطنية.
إن واقع خزانة تاونات ليس قدرا محتوما، بل نتيجة تراكمات يمكن معالجتها إذا توفرت إرادة جماعية حقيقية، فإحياء هذه المؤسسة هو إحياء لنبض المدينة الثقافي واستثمار في مستقبل شبابها، وإعادة الاعتبار للقراءة باعتبارها ممارسة يومية وركيزة أساسية لبناء مجتمع واع.
وتاونات، بتاريخها وطاقاتها البشرية، تستحق فضاءات معرفية حديثة تعكس طموحاتها وتعيد للثقافة المكانة التي تستحقها كرافعة للتنمية المحلية.