دقيق الورق أو الأمل المطحون..!
بقلم عادل عزيزي
سامحوني، لم أعد معنيا بكل هذه الحوارات والمهاترات ومهازل الاستخفاف بعقولنا، لقد تجاوزت شخصيا ما يسمى بـ “احتجاجات جيل Z”، وقفزت إلى ما هو أوسع وأوجع وأخطر، هل هذه حكومة؟
الأزمة الأخيرة، وأقولها بإنصاف لحركة جيل Z، لم تحدث زلزالا جديدا بقدر ما كشفت هشاشة التسيير الحكومي، وأسقطت آخر ورقة توت عن حكومة هزيلة اعتدنا انتقادها، حتى جاءت فضيحة طحين الورق لتقول كل شيء دون حاجة إلى بيان.
ومنذ تلك اللحظة، قررت أن أتوقف عن الكتابة في السياسة والفساد وكل ما يخص الوطن الكبير، لأكتب عن نفسي، عن قصتي الصغيرة التي تشبه قصتنا جميعًا.
لا أعرف حتى اليوم سر تفوقي في مادة الاجتماعيات خلال مرحلتي الابتدائية والإعدادية، كنت دائما أحصل على النقط الأولى، رغم أن معظم إجاباتي كانت تكتب بحماس أكثر مما تكتب بمعرفة.
خذ مثلا سؤال حول “الدقيق المدعّم”، ما إن أراه في ورقة الامتحان حتى أطلق العنان لقلمي:
“الدقيق عندنا من أنقى أنواع الدقيق في العالم، تضرب به الأمثال الدول الكبرى في الجودة والنقاء ..!”
تخيل لو كتبت هذه الإجابة اليوم..؟ والله لأحصل على صفر بلا نقاش..!
فبعد سنوات من “النقاء النموذجي”، اكتشفنا أن الدقيق عندنا لم يعد يخلط فقط بالشوائب و “السوس”… بل يخلط بالورق نفسه!
نعم يا سيدي، الورق!
ليس ورق التغليف ولا الكرتون، بل الورق الذي كنا نكتب عليه تلك الإجابات نفسها!
أصبحوا يطحنونه مع القمح، وكأنهم يريدوننا أن نأكل مناهجنا القديمة بدلا من أن نحفظها!
ثم يظهر من يقول لنا “لا تهولوا، فالورق غني بالألياف ومفيد للهضم..!”
حسنا… وما المانع إذا أن يتحول المخبز إلى مطبعة، والرغيف إل حقى كراسة؟
تخيّل أن تشتري خبزا من الفرن، فتجد في داخله صفحة من كتاب التربية الوطنية مكتوب عليها “الهيئة الوطنية للنزاهة…”، فتأكلها بطمأنينة كاملة!أمر عادي…!
أو ربما تجد ورقة امتحان قديمة كتب فيها أحد التلاميذ «يخلط زيت الزيتون بمواد كيماوية غريبة”، فتغمسها في “البيصارة”، وتقول في نفسك، الحمد لله أن معدتنا مغربية ومحصّنة ضد المفاجآت!
إن استمر الوضع على هذا النحو، فلن يكون غريبا أن نرى العام المقبل دقيقا ممزوجا بالحبر..، وخبزا مكتوبا عليه تاريخ الإنتاج بخط أحد البرلمانيين ممزوجا بصور بلاغية ومجازية من ديوان الشعر الوطني!
لقد كان “الدقيق المدعم” يوما رمزا للنقاء والجودة، فإذا به يتحول اليوم إلى رمز للابتكار الغذائي العجيب..!
نحن بلد الإبداع فعلا، نزرع القمح، نطحن الورق، ونخبز التاريخ في رغيف واحد!
أما في مادة التربية الوطنية، فكنت الأول بلا منازع، كنت أكتب بإخلاص عن النزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، والالتزام بالقيم.
لكن اليوم أتساءل، هل كانت كل تلك الإجابات خطأ؟ أم أن الأسئلة هي التي تغيرت؟
كيف نجحت إذا وتخرجت من الجامعة؟ ولماذا تغير كل شيء من حولي بينما قوانين فيثاغورس وأرخميدس ونيوتن وأينشتاين لم تتغير..؟!
سألت أحد الأصدقاء همسا، “واش ما زال المبتدأ يرفع والخبر ينصب، ولا ظهرت قواعد إعراب جديدة؟”
فابتسم وقال: “من زمان ما سمعت عنهم شي حاجة!”
وفي حلم عجيب رأيتهم يراجعون أوراق امتحاناتي من الصف الأول الابتدائي حتى الجامعة، ثم صدر القرار،
“الطالب ناجح… لكنه مطالب بإعادة خمس سنوت من الأمل المطحون.”
في مراحل دراستي كنت إذا أخطأت إملائيا أو حسابيا لا أشطب الكلمة لأصححها ولا أستخدم الطامس “CORRECTEUR” مطلقا كنت أمزق الورقة بكاملها وأبدأ من جديد في صفحة أخرى..