جيل Z أو جيل الأمل…
عادل عزيزي
لست متأكدا إن كنتم ستقرؤون ما سأكتب، بل سامحوني إن قلت إنها المرة الأولى التي أتمنى فيها ألا تقرؤوا ما سأكتب؛ لأنني أخجل أن أمتدح جرأتكم وأنا المتردد، وأن أصف صمودكم وأنا الهارب إلى الحياد، وأن أكتب عن احتجاجاتكم السلمية وأنا أسير العادة والخوف.
جيلكم، “جيل Z”، خرج من العالم الافتراضي إلى الشارع الحقيقي، جيل تربى على “الفريفاير” و”التكتوك”، لكنه فهم أسرع منا أن التغيير لا يصنع من خلف الشاشات، بل تحت الشمس، في الميادين، بالوجوه المكشوفة.
أنتم لم تنتظروا حزبا ولا زعيما ولا بيانا وزاريا، بل خرجتم لأن الصبر على اللاحرية صار سجنا والصبر اللاكرامة صار عبودية، والصبر على اللاعدالة صار خيانة.
أما نحن، الجيل الذي قبلكم، فقد تعلمنا كيف نساوم على أحلامنا باسم “الواقعية”، كيف نبرر الصمت باسم “الاستقرار”، وكيف نطفئ الحماس في عيون الشباب باسم “الخبرة والتجربة”، كبرنا ونحن نطبطب على الجراح بدل أن نفتحها لتشفى.
جيلكم ولد في زمن لا يثق في الشعارات، لأنه رأى كيف احترقت الأعلام الجميلة في لهب الفساد واللامسوؤلية.
أنتم أبناء المدارس العمومية المتهالكة والمستشفيات المكتظة والمستقبل المعلق على خيوط الأمل، ومع ذلك، تملكون شجاعة السؤال: لماذا؟
أما نحن، فخسرنا القدرة على السؤال منذ زمن، واعتدنا أن نقول “هكذا هي الأمور” كلما اشتدت الأزمة، حتى أصبح “الاستسلام” عقيدة جماعية.
جيلكم لم يقرأ كثيرا عن السياسة، لكنه فهمها أكثر مما فهمنا..
لم يدرس الفلسفة، لكنه يمارسها في الشارع..
لم يقرأ كتب الاقتصاد، لكنه يعيش أرقامها المؤلمة كل يوم..
أنتم الذين جعلتم من “الاحتجاج” فنا جديدا، لا عنف فيه ولا تزلف، بل رسالة جيل يطلب الاحترام قبل المطالب.
جيلكم لا يحتاج أن نعلمه الوطنية، لأنه ببساطة يمارسها حين يصرخ من أجل،
مدرسة أفضل..
ومستشفى أنظف..
وعدالة أصدق…
بينما جيلنا اختزل الوطنية في الأغاني الرسمية و الأهازيج الوطنية والتصفيق في المناسبات.
أنتم لا تخافون الخسارة، لأنكم لم تكسبوا بعد..
ونحن نخاف الخسارة، لأننا خسرنا كل شيء إلا الخوف..
جيلكم جائع إلى الحرية والعدالة، لا إلى الخبز فقط، وأنتم الذين جعلتم من “الكرامة، شعارا حقيقيا لا لافتة في يد سياسي.
أما نحن، فقد شبعنا من الوعود حتى التخمة، ولم نتعلم بعد أن الجوع إلى الكرامة هو وحده الذي يصنع الشعوب الحرة.
لا صوت ولا أمل في وجوهنا، فقد ذابت ملامحها في وجوهكم..
أنتم مرايا جيل جديد يرى الوطن كما يجب أن يكون، لا كما اعتدناه نحن..
أنتم لا تراهنون على أحد، ولا تنتظرون منقذا، لأنكم فهمتم باكرا أن التغيير يبدأ حين نقرر أن نكون نحن التغيير.
أيها الواقفون على حافة الصبر والأمل،
أنتم لستم فقط احتجاجا على واقع فاسد، بل أنتم مراجعة لجيل كامل صدق أن الصمت حكمة، وأن الخضوع واقعية، وأن الانتظار وطنية..
جيلكم لم يطالب فقط بالحرية والكرامة والشغل، بل طالب بالحياة.
وفي زمن نضب فيه الملح من وجوهنا والماء من ضمائرنا، أنتم الذين تروون عطش الوطن بوعيكم.
ما الوطن إلا أرض وأمل،
وقد أخذ الجيل الذي قبلكم الأرض،
وأنتم جيل Z أعاد إليه الأمل.