عبـ يد جدد بأقفال افتراضية ؟
ذ. بوناصر المصطفى
قبل عقدين، كانت صاحبة الجلالة تتصدر جل المهن، اعتمادا على مصداقة والهام عنصري هامين القلم والكراسة، كانت الجمل محبوكة تأسرك بين ظهراني تعابير مكتسبة ومسؤولة تجذب انتباك وتستفز في ذهنك أسئلة كي تختار وجهة في فضاء خيالك الفسيح ، وعلى حين غفلة دخلنا عتبة صفحة أخرى عنوانها الصحافة الرقمية أو صحافة الويب وجه جديد لمهنة الصحافة، هي محصلة زاوج رسمي بين الاعلام والثورة الرقمية، وامتداد تلقائي جاء على حساب وسائل تقليدية وشروط تقنية أضحت نسبيا متجاوزة، تعززت هذه النقلة بارتباط الانسان الوثيق بهذه الوسائط الجديدة للاتصال وادمان واسع عليها.
هكذا أضحت شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي الفضاء الأمثل للجوء والإجهاز على الزمن وقتله ،بينما تصدرت مكانة مرموقة كمصدر لاقتناص المعلومات الجديدة اعتمادا على تطبيقات مختلفة ومتنافسة تنشط في إنتاج المحتوى الإعلامي.
في باحة الاستقبال قد تجد نفسك في حالة نشوة، يتهيآ لك أن الدخول لهذا المضمار كونك بطل كل حكاياتك مغامراتك، لكن في السر أنت ضحية الخوض في مواضيع هي من اقتنصك؟!
يكاد لا يخلو أي عمل صحفي من البحث المعمق في مخرجات وظواهر تعطي لتلك المواقع زخمها، حيث تحول رؤية صانع المحتوى مختزلة في المراهنة على ضمان أكبر قاعدة جماهيرية، قد تضمن له مصدرا مهما للدخل عبر بوابة إعلانات متواترة، لكن في الوجهة المقابلة لنفس العملة قد تنتحل منصاته أحيانا صفة جرمية، نافذة لأفكار غير هادفة ولا مستساغة تشكل خطورة على الامن الروحي للمواطنين خصوصا فيما يتعلق بسرقة المعطيات الشخصية او تهديد للسكينة وامن البلد ككل، مرتع أفكار نشاز ذات ايديولوجيات غريبة ومتطرفة.
قد لا نختلف كيف ما كانت مواقعنا وانتماءاتنا، ان ما ينشر على جدران هده المواقع والفضاءات وفي صمت خفي او متعمد من المسؤولين حول ممارسات مرفوضة أخلاقيا، لا يمكن اعتباره الا تواطؤ مفضوحا مع كل من اختار امتطاء هدا الفضاء بدون احتياطات لازمة، فاحترف الانخراط في محتويات علقت عن قصد لتشجيع الفوضى الخلاقة.
لقد كشف لنا هذا العالم الافتراضي الغِطاء عن هشاشة دّاخليّة غير متوقعة في الانسان الحالي تجاوز فيهِ منسوب السلبيات الحد المسموح بها في كائن غير مؤهل لمواجهة التحديات الانسان الالي، اما إيجابيات هذا العالم متوقفة على كسب القدرة والمهارة في الاختيار والفرز، هي فعلا وضعية تحتاج الى المُراقبة والمتابعَة في غياب عنصر التأهيل الذاتي وقوة الإرادة للتطور المتزن.
نكاد نجزم أنّ الانسان أصبح مفعول به أكثر من كونه فاعل، لدرجة أننا نستعبد ان يتصور نفسه وذو إرادة مستقلة، بل كائن مستلب في وضعية اقامة جبرية بين جدران دائرة العبث بالقيم والتبجح باللامسوؤلية، لا لشيء الا لتبرير وجود افتراضي لا فائدة من وراءه، مادام انخراطه هذا يعكس بقناعة معكوسة رحلة مهاجر من واقع ملموس مرفوض نحو وضعية لاجئ في زمن افتراضي.
من هدا المنطلق تأكد أن الزمن قد أصيب بالعطل لأن وثيرة الاستيعاب لن تساير السرعة القياسية لصبيب المعلومات، وأن ما لا يطاق فهمه هو أن تضاعف ثقة هذه الكائنات المحتجزة لامتهان الركض بين السحب حتى تعرى دهنها فاكتوت بالخواء وهموم لا تمت لواقعها بصلة، فمعظم التعابير المستهلكة مختزلة في إشارات قد لا تتطلب منه مجهودا في التفكير أو رغبة في تنوير الراي العام، بقدر ما تصنع منه أداة للاستجابة وحصد مواقف لتبرير سلوكيات عنيدة.
مشكلتنا ليست في أزمة ندرة كفاءات بل في فائض كائنات مزاجية ولاعقلانيةّ!
مشكلتنا في مستقبل سيقوده مرضى فقدو الرؤيا، كبلوا عقولهم راهنوا على اذواق تصدح بالفوضى والبلطجة!
مصير البشرية أو حتى مصيرنا جميعا التفته الضبابية القصوى، أصبحنا في كف شرذمة لم يعد العقل يحكمها سلمت مصيرها لسلطة افتراضية فانفلتت منها حياتها الواقعية.
#إلى أي حد حسمنا الاختيار إما أن نصنف عبيدا؟ أو أن نتسلح بالحكمة والحكامة في تدبير أمورنا؟