ظاهرة تشغيل الأطـ فال ببني ملال: طفـ ولة مسـ روقة على أرصفة الانتظار

0 1٬183

 

_عبدالمولى جداوي_

في مشهد يتكرر كل يوم بشوارع وأزقة مدينة بني ملال، بات من المألوف أن تصادف أطفالاً صغارًا يتجولون بين المارة، محملين بعلب الشوكولاتة، المناديل الورقية، أو أكياس عشبة الزعتر. وجوههم البريئة تطاردها نظرات الإرهاق المبكر، وهم يتنقلون من مقهى إلى محطة، من حديقة إلى زاوية شارع، باحثين عن مشترٍ قد يخفف قليلًا من عبء يومهم الطويل.

تتفاقم هذه الظاهرة في ظل غياب مراقبة حقيقية، إذ تشير المشاهد اليومية إلى أن هؤلاء الأطفال لا يعملون لحسابهم، بل يُستغلون من طرف شبكات أو أفراد يجنون من ورائهم أرباحًا غير مشروعة. هؤلاء الصغار لا يملكون حق القرار، ولا حتى أبسط حقوقهم في اللعب والتعلّم، بل يُدفعون قسرًا إلى سوق الشارع، حيث يُفرض عليهم بيع منتجات معينة طوال ساعات النهار، بل وأحيانًا الليل.

ومن قلب أحد المقاهي وسط المدينة، وبينما كان روّاد المكان منشغلين بأحاديثهم أو شاشات هواتفهم، اقتحم طفل صغير البالغ من العمر حوالي عشر سنوات المكان يحمل في يديه علبة شوكولا، يمر بين الطاولات بخطى مترددة. بعض الزبائن تجاهلوه، آخرون أبدوا شيئًا من التعاطف، لكن أحدهم رفض، ليجد الطفل نفسه واقفًا للحظات مشدودًا نحو التلفاز الكبير في زاوية المقهى. مشهدا شدّ انتباهه وأعاده للحظات إلى عالم الطفولة الذي خُطف منه قسرًا، قبل أن يستفيق على صوت صارم يلاحقه في ذاكرته: “يجب أن تبيع كل ما معك”.

هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل تحوّلت إلى جزء من مشهد يومي مأساوي، يعكس عمق الخلل الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه فئات واسعة من المجتمع. إنها صورة مصغرة للفقر، للهشاشة الأسرية، ولتراجع منظومة الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تحمي هؤلاء القاصرين من كل أشكال الاستغلال.

إن المسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند حدود المؤسسات. فلا بد من تدخل عاجل للسلطات المحلية والجمعيات المدنية للحد من هذه الظاهرة، عبر تفعيل القوانين الرادعة لمحترفي الاستغلال، وتمكين الأسر من بدائل اقتصادية تحفظ كرامتها وكرامة أطفالها.

في انتظار ذلك، ستبقى شوارع بني ملال مسرحًا لطفولة تائهة… تحلم فقط بفرصة لتكون كما يجب أن تكون: بريئة، مرحة، ومحمية.

 

عبدالمولى جداوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.