خطة ترامب لتهجير الفلسطينيين إخراج أمريكا من دائرة الظل؟
ذ. بوناصر المصطفى
على إثر خرجة إعلامية أخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير محسوبة العواقب والتي أثارت زوبعة من المواقف حول توجهاته الشاذة لتنزيل نهجه أمريكا أولا، أشر إلى بعض ملامحها بفرض سياسة حمائية اتجاه الدول الأوربية، وفتح ملفات أخرى تثير الاستغراب كاستعادة قناة باناما والسيطرة على جزيرة غرينلاند، لكن جاءت رؤيته في الشأن الفلسطيني لتخلط الأوراق بالتهجير القصري لسكان غزة في تجاهل سافر للقانون الدولي والأعراف الإنسانية، زوبعة تعددت الردود عربية وعالمية حكام ومثقفين حول هده التصريحات الخطيرة.
في ظل هده العواصف المثيرة للجدل، لابد لأي مسؤول في مجال تخصصه، أن يتصف بحالة من الاتزان وضبط النفس حتى لا يسقط في تكريس الارتباك وتسويق صورة مزيفة عن واقع ينبض في صمت ويكتم الحكم.
رب ضارة نافعة، غالبا ما نجني خلف عواصف كهده، تفريخ مبادرات تتكتل في صالونات فكرية وسياسية تحفز على خلق أسئلة وإثارة النقاش للخروج بمواقف تحاول بناء رؤية استراتيجية تكون مادة للسياسي للاستئناس.
كثيرة هي المنصات الإعلامية والفكرية التي أخدت هده التصريحات ما خد الجد، انطلاقا من تلك الصورة التي كرسها الإعلام الأمريكي في ترسيخ مفهوم النظام العالمي الجديد، منظومة ترسخ أمريكا كأقوى اقتصاد في العالم وذلك النموذج الأمثل لليبرالية متوحشة تتحكم في مصير الشعوب وتعرقل كل من يعارض مصالحها الاستراتيجية، إلا أن هدا لا يعني أنها تحكم العالم بشكل مطلق، فالمعادلة في العلاقات الدولية مركبة تحكمها ضوابط وتوازنات متغيرة.
السؤال كيف يمكن قراءة هدا التصريح الترامبي؟
في أي سياق توضع الرؤية التراميبة الجديدة؟
هل من جدوى من إثارة نقاش حول تصريح خارج القانون الدولي؟
هل تسمح الظرفية السياسية المتوترة في العلاقات الدولية بتنفيذ هده القرارات؟
من أول وهلة قد يبدو للبعض أن هده التصريحات مجرد زلة لسان تعكس عجرفة سياسية لرئيس جديد تنقصه الحنكة السياسية، للتمييز بين رأيه الشخصي وموقف الدولة الأمريكية الوازنة سياسيا والعنيدة المواقف، وقد يراها الأخر سياسية لجس نبض العالم خصوصا بعد أن عاش على وهم سلام مطبوخ ابتلعته الدول الضعيفة ليتحول إلى احتلال في أبشع صوره وإبادة بشرية بدأت الدول العربية تترصد أعناقها بالترتيب بواقعية سياسية فجة.
من حسن حظ الدول العربية أنها سجلت موقفا عربيا توافقيا موحدا حول قضية فلسطينية نزفت كثيرا عكست حالة من التريث، يمهد لفرض عزلة سياسية على العم سام، في ظرف عالمي متوتر وعلاقات دولية غير مستقرة، لدلك كان ضروريا للرئيس الأمريكي أن يتراجع عن تصريحاته الجنونية.
طبيعي أن تأتي تصريحاته الثانية لتصحيح الوضع موجها خطابه لكل معني بالأمر بالتريث وتوخي الحذر والعجلة فيما دعا إليه، وهدا يدفعنا إلى تحليل عمودي وفهم هذه التحول، فكثيرة هي الردود المحلية من معارضة داخل البيت الأبيض ودولية منها من اعتبرت تصريحاته تهور غير مدروس ولا مسؤول ومنها من ينظر إليه نظرة ازدراء لأنه يرى القرار السياسي وكأنه صفقة أعمال وجهل مطبق بانه يتحدث باسم الولايات المتحدثة وليس من وجهة نظره الشخصي.
في هدا الخضم جاءت كذلك انتفاضة حلفاء أمريكا، ومارسوا ضغوطا سياسية أخرى أجبرته على التراجع بحيث عكست قلقًا عالميًا بشأن حقوق الإنسان واستمرار فتيل النزاع في المنطقة، في وضع دولي شهد أوضاع إنسانية غير مسبوقة عقدت الحوار بتراجع الثقة بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما كانت عليه، بحيث ارتفع معه منسوب المطالب الفلسطينية في المفاوضات بتصاعد الوعي الدولي بقضية حقوق الإنسان.
لم يتوقف الضغط من الخارج بل جاء كذلك من مستشاريه في الشأن القومي لتذكيره بضرورة التراجع لأن الكلفة سوف تكبده خسارة حلفاءه العرب، وأن الولايات المتحدة غير مستعدة لتشويه صورتها أكثر بعد الدعم الأمريكي للإبادة الجماعية في غزة، بعد محاولة سلفه بايدن إعادة الولايات المتحدة إلى المنتظم الدولي فلن ينخرط ترامب لإخراجها منه.
لم تكن هده القرارات المتسرعة لتخدم مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية سيكون لها مضاعفات تنسف كل جهودها وان أي تراجع يكشف بالواضح عن تلك المواقف الصورية للولايات المتحدة في دعم الفلسطينيين وقد يؤثر على موقفهم ونظرتهم للولايات المتحدة كوسيط (مزيف) ليبحثوا عن وسطاء آخرين يدعمهم بشكل كافٍ.
قد يبدو للبعض أن الرئيس يضع العالم على فوهة بركان، إلا أن السياسة الترامبية لا يمكن فهمها بمعزل عن تتبع متبصر للأوضاع والتحولات الدولية، وذلك بسعيه للتكيف مع هذه الديناميكيات وتحديات المرحلة، أججها تهافت قوى منافسة كروسيا والصين بالتحديد تلك القوى الصاعدة التي أصبحت تهدد مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية بوثيرة متسارعة وفي بؤر خاصة وكذا في عقر دارها قناة باناما.
استطاعت الصين في صمت أن تكسب ثقة أفارقه وتضع قدمها بعقد اتفاقيات اقتصادية مع دول أفريفية لضمان تزويدها بالثروات المعدنية الثمينة، كما نجحت في الفوز بامتيازات في تدبير ميناء ين في قناة باناما، مما يعتبره ترامب تهديدا أمنيا لمصالح الولايات المتحدة.
أما إشارته إلى جزيرة غرينلاند فجاءت كردة فعل رد ضد إعادة فتح روسيا لقواعد عسكرية في منطقة الشمال وكذا لغناها بالثروات المعدنية النادرة وكموقع استراتيجي للقواعد العسكرية الأمريكية.
اتضح من خلال هده الزوبعة هذه التصريحات الحاجة إلى توازن دقيق بين المواقف المحلية والدولية في زمن تزداد فيه التحولات والتحديات في ظل التوترات التي تتطلب من القادة اتخاذ مواقف حكيمة ومتزنة واضحة تتجنب الخطاب العدائي كاستجابة لواقع متأزم ومعقد يفرزه العالم بتركيباته ومتغيراته، لكن يمكن أيضًا أن تبقى الحكمة سيدة المواقف تفتح أبواب جديدة للحوار.
#متى يلغي القادة سياسة الاستعمار من قواميسهم؟
#فهل أدركت أمريكا أن لعبة إسرائيل انكشفت؟
#متى تفهم أمريكا أن قواعد العلاقات الدولية قد انفلتت من بين ايديها؟