الميت لا يحمل ميتا”، هل يقيل الفاسد فاسداً..؟!
عادل عزيزي
هناك مثل يقول “الميّت لا يحمل ميّتا”، يبدو المثل من البديهيات التي لا تحتاج لأمثال كي تقاس عليها، إلّا أنه ككل الأمثال، يُقصد به الرمزية وليست الدلالة الحرفية، فكلّنا يعرف أن الميّت لا يمكنه أن يفعل شيئاً، فلماذا الأمثال إذاً؟!..
على الرغم من وضوح المثل، إلا أن البعض يريد أن يجعلنا نصدق أن “الميّت يمكن أن يحمل ميّتا” ويبدو هذا واضحاً في ملف مكافحة الفساد، حيث تزف لنا المواقع الإخبارية و شبكات التواصل الاجتماعي أخباراً عن توقيف رئيس هنا، أو موظّف هناك، أو مقاول هنالك، مؤكّدة أن عجلة مكافحة الفساد بدأت بالفعل ولا يمكن إيقافها، ولكن يبدو أنها حركة دائرية لم تتحرك، وفي البحث عن الأشخاص الذين طالتهم يد مكافحة الفساد، نجد أن معظمهم لم يقم بفساده إلّا بعد أخذ الضوء الأخضر من هذا أو ذاك، وفي مرّات عدة يقوم أحد أصحاب الضوء الأخضر شخصياً بمكافحة الفساد..، ليصبح السؤال هنا، كيف يمكن لفاسد أن يقيل فاسدا؟..
ليس خفياً على أحد أن منظومة الفساد هي نفسها من ترعى عملية مكافحة الفساد، وبالتالي تم تقسيم الفساد إلى قسمين فساد حلال وفساد حرام، وصار عنوان الإصلاح هو محاربة الفساد “الحرام”، وهكذا تبدو الحركة الإصلاحية جادة في توقيف “شبكات”، ولكن غالباً تظهر هذه الشبكات بدون رؤوس، لأن المنظومة الفاسدة لا يمكن أن تزيل نفسها، بل تحتاج لمنظومة أخرى كي تزيلها، وأقصى درجات مكافحة الفساد ضمن أي منظومة فاسدة هي أن يقوم حيتان الفساد بابتلاع أسماك الفساد فقط لا غير…
بعد إصدار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها تقريرها عن سنة 2023، والذي وقف على مجموعة من الاختلالات، وهو أول تقرير من نوعه يشمل سنة كاملة بعد دخول القانون 46.19 حيز التنفيذ على إثر تعيين أعضاء مجلس الهيئة وأمينها العام.
تفاعلت حكومة أخنوش مع التقرير بانزعاج واضح، كرس الجدل الذي يتكرر كلما أصدرت مؤسسة رقابية دستورية تقريرا عن أحد المواضيع الكبرى في المغرب..
يبقى أن مصدر قوة الفساد، ومصدر نفوذه ووقاحته هو حقيقة شموله، قوى تملك شرعية تمثيلية حقيقية الأولى عكستها نتائج الانتخابات والثانية تعكسها شرعية السلطوية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قاعدة المستفيدين من نظام الفساد واسعة، فهو نظام استعان فيه المواطن على ضعف مفهوم المواطنة فاستبدل خدمات الدولة بخدمات موازية قدمتها له الطبقة الفاسدة، فصار الفساد سياسة، لا بل صار هو السياسة.
الفساد لا ينام، متواجد في جميع القطاعات، من أصغر عامل إلى أكبر مافيوزي، من موظف عمومي أو خاص إلى رئيس منتخب أو مسؤول معين.. الفساد لا ينام؛ ليله كنهاره، فهو يداوم عمله بطاقة خارقة ليل نهار، يبدو “السيد الفساد” ذا همة عالية، ولا يحتاج إلى عشبة الخلود..
وإلى أن ينجح مدبرو شأننا العام والشرفاء في الوصول إلى الفاسد الحقيقي قصد محاربته وقطع دابره، أقول لكم، “الميت لا يحمل ميا”، والفاسد لا يقيل فاسداً..؟!
وربما الأيام القادمة قد تكشف لنا عن ملف يعد أخطر ملفات الفساد في هذه المنطقة “الميتة” التي تنهشها الضباع…