من وجدة : التراث الطبي الصحراوي.. كنز معرفي يستحضر التاريخ ويخدم الهوية الوطنية

✍️ – بلال شكلال

تعيش الأوساط الأكاديمية والصحية على وقع دينامية علمية وترافعية متواصلة تجسد عمق التلاحم بين البحث التخصصي والقضايا المصيرية للأمة، حيث ينعكس هذا الامتداد في المبادرات التي تسعى إلى ربط التكوين الطبي الجامعي بالوعي التاريخي والترابي.

وفي هذا الصدد جاءت الفعالية الوطنية التي احتضنتها كلية الطب والصيدلة بوجدة، بتنظيم من النادي الطبي بالتنسيق مع الجمعية المغربية للتواصل الصحي، لتضع الذاكرة المعرفية للصحراء المغربية في قلب النقاش العلمي المؤسساتي.

ينطلق هذا التحرك من ضرورة مجتمعية وأكاديمية تتجاوز حدود التأطير التقني الضيق داخل مدرجات كليات الطب، نحو أفق أرحب يربط الممارسة الطبية بالهوية التاريخية للمملكة.

وقد شدد الأستاذ الدكتور عبد العظيم باباخويا، أستاذ التعليم العالي ورئيس مصلحة طب الأطفال، على أن فتح هذا النقاش يتزامن مع الزخم الوطني المتواصل حول القضية الترابية، مؤكدا أن بناء شخصية طبيب الغد يستلزم استيعاب المكونات الجغرافية والسياسية للوطن.

كما أوضح أن ممارسة طب الأطفال ترتبط بأبعاد إنسانية الاجتماع والسياسة وثيقة لتصل مباشرة بتنشئة أجيال المستقبل وضمان سلامتها البدنية والنفسية.

وسلط الباحث في المخطوط الصحراوي، الأستاذ ياسين بن روان، الضوء على مظاهر الغنى المعرفي الذي يزخر به التراث الطبي المخطوط بالأقاليم الجنوبية، موضحا أن هذا الرصيد ينبثق من تفاعل أطباء الصحراء المغربية مع بيئتهم ومناخهم المحلي.

واستعرض المتدخل مجموعة من الوصفات والمنتجات العلاجية التقليدية المستخلصة من نباتات المنطقة مثل تجماخت والكمون الصحراوي، فضلا عن استثمار ذروة الجمل والكبريت والماء المالح في معالجة الأمراض الجلدية والعصبية والبدنية.

تتجلى أهمية هذا الطرح في ابتعاده عن الاقتصار على سرد المكونات النباتية، ليتجه نحو تفكيك الأبعاد المعرفية التي شكلت المنظومة العلاجية الصحراوية عبر التاريخ؛ حيث يعكس الجانب الاجتماعي والصحي نجاح الساكنة عبر العقود في ابتكار حلول علاجية تتكيف مع القساوة المناخية والمجالية، مما يشكل إرثا لا مادي يستدعي التوثيق والدراسة العلمية الرصينة.

وفي ذات السياق، يترجم الجانب المهني والإنساني قدرة العقل المغربي في الصحراء على استثمار الموارد الطبيعية، وهو ما يفرض على المؤسسات الأكاديمية اليوم استحضار هذه التجربة ضمن المسار الدراسي والبحثي للطلبة الأطباء.

أما على مستوى الرؤية المستقبلية للحل، فيتطلب الحفاظ على هذا التراث إدماج المخطوطات الطبية الصحراوية ضمن مشاريع البحث العلمي والتطوير الصيدلاني، لترجمة هذا الرصيد التاريخي إلى قيمة مضافة تخدم المنظومة الصحية الوطنية.

من وجدة : التراث الطبي الصحراوي.. كنز معرفي يستحضر التاريخ ويخدم الهوية الوطنية
التعليقات (0)
اضف تعليق