الحسانية تحت قبة
بقلم/سيداتي بيدا
ليست كل عبارة عابرة تمر داخل قبة البرلمان دون أن تترك خلفها زلزالا من التساؤلات المشروعة، لا سيما عندما تمس الثوابت الرمزية والروابط اللغوية التي تشكل وجدان الأمة.
إن الجدل المتصاعد حول التصريح المنسوب إلى البرلماني عمر محمود بنجلون، الذي تساءل فيه، في سياق ساخر «ياك ما البرلمان ديال شي دولة جارة؟»، تعليقا على استخدام اللهجة الحسانية، لا يمثل مجرد زلة لسان سياسية محتملة، بل يفتح نقاشا أعمق حول حدود السخرية السياسية ومخاطر التعالي الثقافي والجهل بروافد الهوية الوطنية.
إن مثل هذا الخطاب، إذا تأكد في سياقه الكامل، يستدعي وقفة فكرية ومؤسساتية مسؤولة؛ فالبرلمان ليس مسرحا للمزايدات، ولا منصة لإنتاج خطاب الإقصاء أو تغذية النزعات الإقليمية الضيقة. فاللهجة الحسانية ليست زينة لفظية أو موروثا فولكلوريا هامشيا يستحضر للمجاملات السياسية، بل هي مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية الوطنية، وامتداد تاريخي وحضاري متجذر في وجدان الصحراء المغربية. ومن ثم، فإن التهكم عليها أو التشكيك الضمني في انتمائها الوطني، من خلال ربطها بدولة مجاورة، يثير تساؤلات جدية حول احترام التعدد الثقافي واللغوي الذي يشكل إحدى ركائز الوحدة الوطنية.
ومن منظور أكاديمي، يعكس هذا النوع من السخرية إشكالا في استيعاب طبيعة الهوية المغربية المركبة، التي لا تقوم على التجانس اللغوي أو الثقافي، وإنما تستمد قوتها من تعدد روافدها وتكامل مكوناتها. فالمواطنة الحقة لا تقاس بلكنة موحدة، ولا تختزل في طريقة واحدة للتعبير، كما أن المسؤولية التشريعية تفرض على ممثلي الأمة احترام مختلف التعبيرات اللغوية والثقافية، وتجنب كل خطاب قد يشعر فئة من المواطنين بأن لسانها أو خصوصيتها الثقافية موضع استغراب أو تندر.
ومع ضرورة التمسك بقرينة التحقق والعودة إلى التسجيل الكامل للمداخلة، تفاديا للاجتزاء أو التأويل المتسرع، فإن النقاش يظل مشروعا ويستوجب توضيحا مسؤولا يرفع اللبس ويضع الأمور في سياقها الصحيح. فاحتواء مثل هذه الإشكالات لا يتحقق بالصمت أو تجاهل تداعياتها، وإنما بالحوار والتوضيح، وباعتذار صريح متى ثبت أن العبارة حملت إساءة أو انتقاصا من المكون الحساني.
إن احترام الحسانية هو احترام لمكون أصيل من الهوية الوطنية، وتقدير لتاريخ المواطنين الذين يحملونها ويعتزون بها. فالكلمة الصادرة من داخل المؤسسة التشريعية ليست مجرد تعبير عابر، بل تحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مضاعفة إما أن تعزز ثقافة الاعتراف المتبادل وتكرس وطنا يتسع لجميع روافده، وإما أن تفتح المجال لتأويلات وتوترات جهوية وثقافية لا تخدم التماسك الاجتماعي ولا الوحدة الوطنية.