بقلم الحسين أُعيش رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب،.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأت البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية تكشف عن تصوراتها للمرحلة المقبلة، وعن الأولويات التي ستوجه سياساتها العمومية في حال تحملها مسؤولية تدبير الشأن العام.
وبينما تحتل قضايا الاقتصاد والشغل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والأسرة والشباب مكانة بارزة في هذه البرامج، تحضر أيضاً، بدرجات متفاوتة من حزب إلى آخر، قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة.
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز مجرد رصد هذا الحضور هو: كيف تنظر هذه البرامج إلى الإعاقة؟
هل تنظر إليها باعتبارها قضية حقوق ومواطنة ومساواة وتمكين ومشاركة؟ أم ما تزال تتعامل معها، في جانب منها، باعتبارها قضية رعاية ومساعدة ودعم للأسر والخدمات الاجتماعية؟
فالإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة لغوية أو شكلية، وإنما تتعلق بالمرجعية التي تقوم عليها السياسات العمومية تجاه أكثر من فئة من المواطنين ما زالت تواجه حواجز تحول دون ممارسة حقوقها على قدم المساواة.
الإعاقة لم تعد قضية إحسان ورعاية
عرفت قضية الإعاقة خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً في الفكر والممارسة على المستوى الدولي. فلم يعد الشخص في وضعية إعاقة يُنظر إليه باعتباره موضوعاً للرعاية أو الإحسان، وإنما باعتباره شخصاً صاحب حقوق، ومواطناً كامل الأهلية والكرامة، له الحق في المشاركة والاستقلالية والمساواة وعدم التمييز.
وهذا التحول لم يبق خارج المغرب.
فدستور المملكة أقر في الفصل 34 ضرورة اتخاذ تدابير لفائدة الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، كما جاء القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها ليؤسس لمقاربة قائمة على حماية الحقوق والحريات وتعزيز الاستقلالية والمشاركة والإدماج.
كما صادق المغرب على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بما تحمله من التزامات تتعلق بالمساواة وعدم التمييز، والتعليم، والصحة، والعمل، وإمكانية الوصول، والعيش المستقل، والمشاركة في الحياة العامة والسياسية وغيرها من الحقوق.
وبالتالي، فإن أي برنامج انتخابي معاصر لا ينبغي أن يتعامل مع الإعاقة وكأنها قضية لم تعرف بعد تحولاً في مفهومها ومقاربتها.
فالمغرب لم يبدأ من الصفر، والتحدي لم يعد هو مجرد الاعتراف بوجود الأشخاص في وضعية إعاقة، وإنما ضمان تمتعهم الفعلي بحقوقهم وتنفيذ الالتزامات القائمة وسد الفجوة بين النص والواقع.
من «دعم الأسرة» إلى «تمكين الشخص»
عند قراءة بعض المضامين الانتخابية، يبرز حضور واضح لمفاهيم من قبيل دعم الأسر التي تضم أشخاصاً في وضعية إعاقة، والرعاية المنزلية، والمساعدة والمواكبة الاجتماعية.
ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الخدمات.
فالكثير من الأسر تتحمل أعباء مادية واجتماعية ونفسية كبيرة، وقد تحتاج فعلاً إلى خدمات للمواكبة والمساعدة والرعاية، خصوصاً في الحالات التي تتطلب دعماً مستمراً.
لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح الرعاية بديلاً عن الحقوق، أو عندما يتم اختزال قضية الإعاقة في الأسرة التي ترعى الشخص، بدلاً من النظر إلى الشخص نفسه باعتباره صاحب الحق.
فالأسرة قد تحتاج إلى الدعم، لكن الشخص في وضعية إعاقة يحتاج أيضاً إلى التعليم.
ويحتاج إلى الصحة.
ويحتاج إلى التشغيل.
ويحتاج إلى الحماية الاجتماعية.
ويحتاج إلى الولوجيات والنقل الميسر.
ويحتاج إلى التكنولوجيا والخدمات الرقمية القابلة للولوج.
ويحتاج إلى السكن والثقافة والرياضة.
ويحتاج إلى المشاركة السياسية والمدنية.
ويحتاج، قبل ذلك كله، إلى القدرة على ممارسة هذه الحقوق باستقلالية وعلى قدم المساواة مع الآخرين.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: هل نحتاج إلى الرعاية؟
بل: هل تكفي الرعاية وحدها؟
والجواب واضح: لا.
الرعاية يمكن أن تكون خدمة ضرورية، لكنها ليست فلسفة متكاملة لسياسة عمومية في مجال الإعاقة.
حزب التقدم والاشتراكية: تمكين الأشخاص من حقوقهم كاملة
من بين البرامج التي تعطي للإعاقة حضوراً واضحاً، يبرز برنامج حزب التقدم والاشتراكية، الذي يضع ضمن محور التنمية البشرية التزاماً بـتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من حقوقهم كاملة.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية خاصة لأنها تنطلق من مفهوم الحقوق، وليس من مفهوم المساعدة فقط.
لكن هذا الالتزام، رغم أهميته، يطرح بدوره سؤال التنفيذ.
فماذا تعني الحقوق الكاملة في المجال العملي؟
هل يتعلق الأمر بالتعليم الدامج؟ وبالولوج إلى التعليم العالي؟ وبالتشغيل والإدماج المهني؟ وبالولوجيات؟ وبالنقل؟ وبالحماية الاجتماعية؟ وبالخدمات الصحية والتأهيلية؟ وبالولوج الرقمي؟ وبالعيش المستقل والمشاركة السياسية؟
ثم ما هي الإجراءات والآجال والميزانيات والمؤشرات التي ستجعل هذا الالتزام قابلاً للقياس والمساءلة؟
فهنا تحديداً ينتقل البرنامج من لغة المبادئ إلى لغة الالتزامات.
حزب الاستقلال: الأسرة والرعاية المنزلية
أما حزب الاستقلال، في برنامجه الانتخابي المعلن تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، فقد أدرج قضية الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن محور حماية الأسرة، من خلال التزام يتعلق بـدعم الأسر الراعية لكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
ويقترح الحزب، في هذا السياق، إحداث وتأطير مهنة «المساعد الأسري»، وتنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية، وتوفير خدمات المواكبة الاجتماعية لتخفيف الأعباء عن الأسر.
وهو توجه يستجيب لحاجة اجتماعية حقيقية، لكنه يظل، من منظور حقوقي، غير كافٍ إذا لم يندرج ضمن رؤية أوسع تضع الشخص في وضعية إعاقة في مركز السياسة العمومية.
فالمساعد الأسري لا يمكن أن يعوض المدرسة الدامجة.
والرعاية المنزلية لا يمكن أن تعوض الحق في التشغيل.
ودعم الأسرة لا يمكن أن يعوض الحق في الاستقلالية.
والمواكبة الاجتماعية لا يمكن أن تعوض الحق في المشاركة الكاملة في المجتمع.
ومن هنا فإن الرعاية ينبغي أن تكون جزءاً من منظومة التمكين، لا بديلاً عنها.
التجمع الوطني للأحرار: الحماية الاجتماعية والرعاية والتشغيل
وفي البرنامج السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، ظهر تصور أكثر تفصيلاً لقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة، إذ تضمن محوراً خاصاً بـ«مواكبة الأشخاص في وضعية إعاقة»، شمل التغطية الصحية، والوقاية والكشف المبكر، وتكوين مساعدين متخصصين في الرعاية، ودعم الجمعيات، إلى جانب آليات محفزة على الحركية والعمل.
كما اقترح الحزب دعم الجمعيات العاملة في المجال من خلال ميزانية إضافية، وهو ما يعكس إدراكاً لدور المجتمع المدني في تقديم الخدمات والمواكبة.
وتبدو هذه المقاربة أكثر اتساعاً من الاقتصار على الرعاية الأسرية، لأنها تجمع بين الصحة والحماية الاجتماعية والعمل والخدمات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو مدى استمرار هذه الالتزامات في البرامج الجديدة، ومدى انتقال ما ورد في البرامج السابقة من مستوى الوعد إلى مستوى السياسة العمومية والإنجاز الفعلي.
المعرفة موجودة، فلماذا لا تنعكس في البرامج؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء التطور الذي عرفه النقاش العمومي حول الإعاقة داخل المؤسسات الحكومية نفسها.
ففي خضم الاستعداد للمرحلة المقبلة، تم عرض نتائج وخلاصات البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، بما يفترض أن يوفر للحكومة المقبلة قاعدة من المعطيات والأرقام الإحصائية المحينة التي يمكن أن تستند إليها في بناء سياسة عمومية أكثر دقة وفعالية.
وهذا التطور مهم في حد ذاته، لأن السياسة العمومية الحديثة لا ينبغي أن تقوم على الانطباعات أو الخطاب الإنشائي، وإنما على المعطيات والإحصائيات والتشخيص العلمي وتحديد الحاجيات وقياس النتائج.
لكن هذا يطرح سؤالاً مشروعاً على البرامج الانتخابية:
إذا أصبحت لدينا معطيات وطنية محينة حول واقع الإعاقة واحتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة، وإذا كان الاتجاه هو أن تستفيد الحكومة المقبلة من هذه المعطيات في إعداد سياسة عمومية مبنية على الأدلة، فلماذا لا تظهر هذه الروح نفسها بوضوح أكبر في البرامج الانتخابية؟
لماذا لا نجد، إلى جانب عبارات الدعم والرعاية، أهدافاً محددة في التعليم والتشغيل والصحة والحماية الاجتماعية والولوجيات والنقل والرقمنة والاستقلالية والمشاركة؟
إن الانتقال إلى سياسة عمومية مبنية على المعطيات ينبغي أن يرافقه انتقال موازٍ في الخطاب السياسي: من العموميات إلى الأهداف، ومن الشعارات إلى المؤشرات، ومن الرعاية المجردة إلى الحقوق القابلة للقياس.
ما الذي تكشفه المقارنة الأولية؟
تكشف القراءة الأولية للبرامج أن حضور الإعاقة أصبح أكثر وضوحاً مما كان عليه في السابق، وهذه نقطة إيجابية ينبغي الاعتراف بها.
لكن مجرد الحضور لا يعني اكتمال المقاربة.
فثمة فرق كبير بين أن يقول الحزب:
«سنساعد الأسر التي ترعى الأشخاص في وضعية إعاقة»
وبين أن يقول:
«سنضمن للأشخاص في وضعية إعاقة حقهم في التعليم الدامج، والتشغيل، والصحة، والتنقل، والولوجيات، والحماية الاجتماعية، والعيش المستقل والمشاركة السياسية».
الفرق بين العبارتين هو الفرق بين النظر إلى الشخص باعتباره موضوعاً للرعاية، والنظر إليه باعتباره مواطناً صاحب حق.
الحقوق التي ينبغي أن تكون في قلب البرامج
إذا أرادت الأحزاب تقديم تصور متكامل لقضية الإعاقة، فإنها مطالبة بأن تتناولها باعتبارها سياسة عمومية أفقية تتقاطع مع مختلف القطاعات.
ويشمل ذلك، على سبيل المثال، التعليم الدامج، وتوفير المقررات بصيغ ميسرة، وتيسير الولوج إلى التعليم العالي، والتكوين والبحث العلمي؛ والتشغيل والإدماج المهني وتفعيل التدابير الإيجابية؛ والصحة والوقاية والتأهيل وإعادة التأهيل؛ والحماية الاجتماعية؛ والولوجيات؛ والنقل العمومي؛ والولوج الرقمي؛ والأجهزة والمعدات المساعدة؛ والسكن؛ والثقافة والرياضة؛ والمشاركة السياسية والمدنية؛ ودعم الاستقلالية والعيش المستقل.
وهذه ليست مطالب منفصلة عن المنظومة القانونية الوطنية، بل هي في جانب كبير منها امتداد للحقوق والالتزامات التي أقرها الدستور والتشريع الوطني والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
المطلوب ليس المزيد من الشعارات
إن البرنامج الانتخابي الجاد لا يقاس بعدد المرات التي ترد فيها عبارة «الأشخاص في وضعية إعاقة»، وإنما بمدى وضوح ما يقترحه من سياسات وإجراءات.
فما قيمة الوعد بـ«تحسين وضعية الأشخاص في وضعية إعاقة» إذا لم يحدد البرنامج كيف سيتم ذلك؟
وما قيمة الحديث عن «دعم الأسر» إذا لم يوضح كيف سيتم تمكين الشخص نفسه؟
وما قيمة الحديث عن «الإدماج» إذا لم تحدد أهداف قابلة للقياس في التعليم والتشغيل والولوجيات والحماية الاجتماعية؟
إن الأشخاص في وضعية إعاقة لا يحتاجون فقط إلى مزيد من الوعود، وإنما يحتاجون إلى التزامات سياسية قابلة للمساءلة.
التزام له هدف.
وله أجل.
وله ميزانية.
وله جهة مسؤولة.
وله مؤشر لقياس الإنجاز.
الاختبار الحقيقي للبرامج الانتخابية
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى جميع الأحزاب السياسية خلال هذه الانتخابات ليس فقط:
هل تضمن برنامجكم قضية الأشخاص في وضعية إعاقة؟
بل:
كيف ستجعلون الحقوق الدستورية والقانونية للأشخاص في وضعية إعاقة قابلة للممارسة الفعلية؟
فالإعاقة ليست قضية إحسان تضاف إلى باب التضامن الاجتماعي، وليست مجرد ملف للأسرة التي تتحمل أعباء الرعاية.
إنها قضية مواطنة وحقوق ومساواة وعدالة اجتماعية وتنمية.
وإذا كانت الرعاية والمساعدة والمواكبة خدمات ضرورية، فإن مكانها الطبيعي هو داخل منظومة حقوقية متكاملة تجعلها وسائل للتمكين، لا بديلاً عن الحقوق.
وهنا ينبغي أن يكون للأشخاص في وضعية إعاقة موقف واضح من البرامج الانتخابية:
لا نريد أن نكون موضوعاً للرعاية فقط، بل نريد أن نكون أصحاب حقوق، وشركاء في صياغة السياسات، ومساهمين في صناعة القرار، ومستفيدين على قدم المساواة من ثمار التنمية.
فالاختبار الحقيقي للبرنامج الانتخابي ليس أن يقول لنا: ماذا سيقدم لنا؟
بل أن يجيب عن سؤال أكثر عمقاً:
كيف سيضمن لنا أن نمارس حقوقنا كاملة، وأن نعيش كمواطنين متساوين، لا كمواطنين تُقاس حاجاتهم بقدر ما تحتاجه أسرهم من رعاية؟
ذلك هو الانتقال الحقيقي من منطق الرعاية إلى منطق الحقوق والتمكين.