بقلم/ سيداتي بيدا
بعد أسابيع من الارتفاعات التي أثقلت كاهل الأسر المغربية، بدأت أسعار اللحوم الحمراء تسجل أولى مؤشرات التراجع، في تحول يعيد التأكيد على حقيقة اقتصادية لا تقبل المساومة: لا يمكن لأي موجة غلاء أن تستمر عندما يصطدم منطق المضاربة بقانون العرض والطلب.
فبعد أن تجاوز سعر الكيلوغرام في بعض المجازر الكبرى حاجز 115 درهماً، عاد إلى الانخفاض بنحو خمسة دراهم، وهو تراجع قد يبدو محدوداً، لكنه يحمل دلالات أعمق من قيمته الرقمية. فالسوق بعث برسالة واضحة مفادها أن الأسعار لا تصمد طويلاً عندما تتراجع القدرة الشرائية ويعجز المستهلك عن مجاراة الزيادات المتلاحقة.
الركود الذي يخيم حالياً على سوق اللحوم لم يكن حدثاً عابراً، بل جاء نتيجة مباشرة لعزوف شريحة واسعة من المواطنين عن الشراء، بعد أن فرضت موجة الغلاء واقعاً استهلاكياً جديداً. فقد أصبحت الأولوية لدى كثير من الأسر هي تدبير الضروريات، بينما تحولت اللحوم إلى سلعة يقتصر اقتناؤها على أضيق الحدود.
وفي المقابل، شهدت الأسواق ارتفاعاً في حجم المعروض، مدفوعاً بوصول شحنات كبيرة من الأبقار المستوردة، خصوصاً من البرازيل والأوروغواي، ما خفف الضغط على السوق وأربك حسابات من راهنوا على استمرار الأسعار المرتفعة. وعندما تلتقي وفرة العرض مع ضعف الطلب، يصبح التراجع أمراً حتمياً لا خياراً.
غير أن هذا الانخفاض لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لأزمة اللحوم، فالمؤشرات الحالية ما تزال هشة، والأسعار لم تبلغ بعد المستوى الذي يستجيب لتطلعات المستهلك المغربي. كما أن أي اضطراب في الاستيراد أو تراجع في حجم المعروض قد يعيد الأسواق إلى دائرة التقلبات من جديد.
التحدي الحقيقي لا يكمن في انخفاض ظرفي لبضعة دراهم، بل في إرساء سياسة غذائية متوازنة تضمن استقرار الأسعار على المدى الطويل. ويتطلب ذلك دعماً فعلياً للإنتاج الوطني، وإصلاحاً لمسالك التسويق والتوزيع، وتشديد الرقابة على هوامش الربح، حتى لا يبقى المواطن رهينة لموجات الارتفاع كلما اختل ميزان السوق.
لقد كشفت التطورات الأخيرة حقيقة لا تقبل الجدل: السوق قد يختل مؤقتاً، لكنه لا يستسلم للمبالغة إلى الأبد. وعندما يتراجع الطلب وتتوافر السلع، تنهار الأسعار المرتفعة تلقائياً، لتنتصر في النهاية قواعد الاقتصاد على منطق الاحتكار والمضاربة، ويبقى المستهلك في انتظار إصلاحات تضمن له استقراراً دائماً، لا انفراجاً مؤقتاً.