توقيع مذكرة فوضى بين إيران والولايات المتحدة

د . راشد الشاشاني

كعادتنا ؛ نقرأ المشهد بعيدا عن فرحة المتابعين ، ومتسابقي جولة ” حدّد من هو المنتصر ” حين يحاكمون بنود اتفاق ، مذكّرة التفاهم ، أو إطار عمل …. إلخ ، بين الولايات المتّحدة وإيران . يكفي أنّ بندا واحدا من هذه البنود قد يستغرق تحديد نطاق تطبيقه مئة عام ؛ ليس بفعل عباراته العامّة والفضفاضة ، ولا باعتبار أنّ هذه البنود لا تزيد عن تلك الحاجة التي حملت وفود الدولتين إلى باكستان ، بل وراء ذلك مجموعة اعتبارات : على رأسها إدراك ترمب أنّ انتظاره واحدة من ضربتي الحرب – التي سبق حديثنا عنها – سوف يضاعف كلفة تجاربِه هذه .

فوق ذلك ؛ سوف يجرّ خسارة له ؛ هذه الخسارة سوف تجابهها ردّة معاكسة للضغط ، قد تلجأ فيها إيران إلى تنفيذ ضربات داخليّة ، سواء في الولايات المتّحدة ؛ أو غيرها من الدول التي تضمّ قواعد أو مصالح أمريكيّة ، لقد كان ضغط ترمب ؛ من خلال حصاره قصير العمر ، ربّما لم يقدّر في البداية هذا الخطر ، لكن سير الأحداث داهم تهوّره بعد أن برقت في ذهنه فكرة مجديّة بالنسبة لإيران ، قوامها ؛ تنفيذ عمليّة مشابهة ، بل متفوّقة على عمليّة السابع من أكتوبر ، أليست إيران من تولّت تخطيطها ، إمدادها ، والإشراف عليها ؟!

بعيدا عن مخاوف كهذه ، ومع حجم الكلفة ؛ أراد الطرفان الوقوف في مكان ” ماشي واقف ” الذي يمنح كل منهما فرصة ” ضدّ الهزيمة ” ، غير أنّ مجرّد انتهاء ترمب إلى هذه النتيجة ؛ تعني بالضرورة تفوّقا في صفّ الجانب الإيراني . هذا التفوّق الذي قد لا يعدّ نصرا ؛ أو أنّه كذلك ؛ لكنّه من نوعٍ خاص ؛ يسير على هدي شواخص مهما بالغ أحدهم بإنكارها ؛ إلّا أنّ قادم الأيّام سوف يؤكّد صوابها ، وهي ” فوضى القلق ” الذي سينقلب إلى ” قلق الفوضى ” .

يستند هذا على أمورٍ عدّة ، أوّلا : تساؤل ؛ من هو الرئيس الأمريكي الذي سيجرؤ على مهاجمة إيران بعد هذه التجربة ، بل وحتى ترمب ذاته – إذا استثنينا ضربتي هذه الحرب – ؟!

يرتبط بهذا فكرة تدور حول خلاف في أركان حكم ترمب ، هذا الخلاف لا يراه إلا ” الشاطرين ” . سبق وأن قلنا أنّ مسؤولي ترمب ؛ وبخاصّة وزير حربه ” هيغسيث” هم مجرد أدوات طيّعة الحركة في يده ، وليّنة الاستجابة لأحلامه ، هذا كان سبب اختيارهم ؛ ليست قدراتهم ، كل ما حصل بينهم هو خلاف على حسن تنفيذهم لأحلام ترمب ، وتحميل بعضهم بعضهم الآخر مسؤولية الفشل ، علاوة على حرب البقاء أمام مجتمع ديمقراطيّ يحدّد هويّة حكّامه بالرضا عنهم ، في ظل قرب انتهاء صلاحيّة ولاية ترمب من غير أمل تجديدها .

ثانيا : ظهر جليّا أنّ معلومات الاستخبارات الأمريكيّة والاسرائيليّة قاصرة عن استيعاب قدرة الحرب الإيرانيّة ، و ظهرت معها حاجة الدخول إلى مواقع أبرزت أهميّتها العمليّات الأخيرة ، هذه المواقع ؛ إمّا أنها تقع في مسار مضيق هرمز المفتوح للجميع ” عادة ” أو أنّه يمكن الوصول إليها من خلاله ، ما يمكّن من تأسيس نقاط تجسّس – ولو عن طريق جهات حليفة للولايات المتّحدة ، أو حتى عدوّة لا تثير شكّا.
– لا يقتصر الأمر على التجسّس بل قد يشمل تثبيت نقاط عمليّة ؛ يمكن معها إحكام سيطرة أرضية ، بعد إحداث تجهيزات بزمن قصير فاعل في المعارك ، دون الحاجة إلى معلومات استخباراتيّة أوروبيّة وحليفة ؛ أخفيت عن الولايات المتّحدة كان يمكن أن تغيّر مسار الأحداث .

ثالثا : وقوف اللعب الأمريكي هذا ؛ فوق أكتاف أطراف اوروبيّة وغيرها ، لم تكن فكرة توقيع المذكّرة في قصر فرساي ، رسالة اعتذار لماكرون عن مواقف ترمب الجافّة ، إنّها زادت في مهمّة ” إذابة فوز ” الوسيط الباكستاني، وتقليل شأن مساعي دول المنطقة ، لقد ورّطت هذه الفكرة ماكرون ليس في المسؤوليّة عن ” عمليات مضيق هرمز ” فقط ، بل في إعفاء ترمب من هزيمة جديدة أمام قادة أوروبا ، بعد أن أرهق صوته كثيراً في سرد قصص خيانتهم .

في سياق كهذا ؛ يتولى ماكرون شأن ” جماعته ” الاوروبيّين ؛ لمساعدته ، مع الأخذ بعين الإعتبار محاولات ماكرون للعب دور مهمّ في لبنان ؛ الذي بات مضطرّا الآن للتعامل مع واقع هو ” حزب الله” ؛ آخر ألاعيب ترمب كان : تصريح وزير حربه ” هيغسيث ” في اجتماع لوزراء دفاع الناتو حول مراجعة مدتها ” 6 ” اشهر ؛ بشأن وجود القوات الأمريكيّة وانتشارها في أوروبا ، التي أربكتها حاجة تعويض هذه القوّة ؛ قبل أن يسارع قادتها إلى ملاطفة ترمب في قمة السبع ، لقد أرادوا تحقيق نصر لم يكونوا طرفاً في معركته أمام شعوبهم ؛ بعد ” سواد وجههم ” مع ترمب ، وتوازناً مع هذا الأخير ؛ بعد أن حاولوا تشكيل جبهة توّحد ضد الولايات المتحدة في دعم اوكرانيا و حضور زيلينسكي قمّتهم .

رابعا : لم يكن ماكرون أكثر ذكاء من غيره ، لقد تورّط في سياق سعيه هذا ؛ في مستنقع ضرورة التعامل مع حزب الله ، علاوة على ضبط تنسيق التعامل مع ضغط يدفع باتجاه تدخّلٍ سوري ، في مقابل دفع نتنياهو إلى التراجع ؛ وترك المهمّة إلى ” مؤسّسة ترمب الجديدة لمناهضة ايران ” التي لا يثق نتنياهو بجدواها ؛وهو يُجري حسابات ما بعد ترمب ، أو فوضى القادم وخطر مليشياته حتى مع وجود ترمب .

مع هذا التعقيد ؛ سوف تحتاج إيران إلى تقسيم جهدها عند مواقع عدّة ؛ يفرض كلّ منها واقعا مغايراً لحاله ، سوف يستدعي هذا أصحاب الأحلام القديمة ، وأصحاب الهزائم الحديثة إلى معسكر التعاون مع إيران ، نؤكّد أنّ هذا حاصلّ لا محالة ، سواء نجح ترمب في إسقاط النظام الإيراني بعد محاولات قادمة ، أم لم يفعل .

توقيع مذكرة فوضى بين إيران والولايات المتحدة
التعليقات (0)
اضف تعليق