مصطفى تويرتو
في مشهد مؤلم ومليء بالرسائل الصامتة ودع المغاربة قامة فنية استثنائية برحيل عبد الوهاب الدكالي أحد آخر عمالقة الأغنية المغربية الرجل الذي منح وطنه عقودا من الإبداع الراقي وحمل صوت المغرب إلى فضاءات عربية ودولية بكل فخر وكرامة. لكن الصدمة لم تكن فقط في رحيل الفنان بل في الغياب الرسمي الباهت الذي رافق جنازته وكأن الوطن يودع أحد أبنائه العظماء ببرود لا يليق بتاريخ الرجل ولا بمكانته.
أي رسالة يريد المسؤولون عن الشأن الثقافي إيصالها للمغاربة؟
هل أصبح الفنان المغربي مجرد آلة للترفيه تستدعى في المهرجانات والصور الرسمية ثم يترك وحيدا في لحظة الوداع الأخيرة؟
أين كان وزير الثقافة؟ وأين كانت الحكومة؟ وأين أولئك الذين يتحدثون صباح مساء عن الاهتمام بالثقافة ورد الاعتبار للفنان؟
إن غياب شخصيات رسمية وازنة عن جنازة عبد الوهاب الدكالي ليس مجرد تفصيل بروتوكولي بل سقوط أخلاقي وثقافي يكشف بوضوح حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الحقيقي الذي يعيشه الفنان المغربي. فالرجل لم يكن اسما عاديا بل ذاكرة وطن وصوت أجيال وموسيقارا ساهم في بناء الهوية الفنية المغربية الحديثة.
لقد غنى للحب والوطن والإنسان ورفع الذوق الفني المغربي إلى مستويات عالية بينما اختار بعض المسؤولين الغياب وكأن الأمر لا يعنيهم. والأخطر من ذلك أن هذا المشهد يعيد طرح السؤال القديم المتجدد لماذا لا يتذكر المسؤول الفنان إلا بعد رحيله؟ ولماذا يتحول المبدع المغربي في حياته إلى منسي ثم إلى مادة للمراثي والكلمات الباردة بعد موته؟
المغاربة الذين حضروا بكثافة لوداع فنانهم الكبير قدموا درسا بليغا لكل المؤسسات الشعوب تحفظ الجميل حتى عندما تنساه الحكومات. فالجنازة الحقيقية لم يصنعها البروتوكول بل صنعتها محبة الناس ودموع البسطاء ووفاء جمهور أدرك أن من يرحل اليوم ليس مجرد فنان بل جزء من الذاكرة الجماعية للمغرب.
إن ما حدث يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي لإعادة النظر في طريقة تعامل الدولة مع رموزها الثقافية والفنية لأن الأمم التي لا تكرم مبدعيها وهم أحياء ولا تودعهم بما يليق بعد رحيلهم تساهم بصمت في قتل ذاكرتها الحضارية.