من التعبئة إلى العزوف.. الاتحاد الدستوري بفاس مكناس بين عهد بن بوبكر والانهيار التنظيمي

في سياق التحولات التي تعرفها الساحة السياسية بجهة فاس مكناس، يبرز تراجع حضور حزب الاتحاد الدستوري كواحد من أبرز المؤشرات على اختلالات تنظيمية عميقة ألمّت بالحزب خلال السنوات الأخيرة، بعدما كان في  وقت سابق يشكل رقما صعبا داخل المعادلة الحزبية الجهوية بفضل دينامية لافتة قادها المنسق الجهوي السابق أنوار بن بوبكر.

لقد شكّلت المرحلة التي قاد فيها أنوار بن بوبكر العمل الحزبي بالجهة نقطة مضيئة في مسار حزب الاتحاد الدستوري، حيث نجح في إعادة الروح إلى تنظيم كاد أن يفقد بريقه. فمنذ توليه مهمة التنسيق، اعتمد مقاربة ميدانية قائمة على القرب من المناضلين، والاستماع لانشغالاتهم، والعمل على توحيد الصفوف بعد سنوات من التشتت. ولم يكن حضوره مجرد تنسيق إداري، بل كان فاعلا سياسيا ميدانيا بامتياز، أعاد الثقة لعدد كبير من المناضلين الذين وجدوا فيه شخصية قادرة على التأطير والتجميع.

تميزت تلك المرحلة بحركية تنظيمية غير مسبوقة، حيث شهدت مختلف أقاليم الجهة لقاءات تواصلية مكثفة، وعودة تدريجية لعدد من الوجوه الحزبية التي ابتعدت في فترات سابقة. كما عمل أنوار بن بوبكر على استقطاب طاقات شابة، مؤمناً بأهمية تجديد النخب داخل الحزب، وهو ما انعكس إيجاباً على صورة التنظيم، الذي بدأ يستعيد مكانته داخل النقاش السياسي المحلي.

ومن بين أبرز المبادرات التي بصمت تلك المرحلة، مساهمته في الدفع نحو تأسيس إطار نقابي، في خطوة اعتبرها متتبعون محاولة ذكية لتوسيع دائرة تأثير الحزب، وربط العمل السياسي بالبعد الاجتماعي، بما ينسجم مع انتظارات فئات واسعة من المواطنين. هذا التوجه منح الحزب امتدادا جديدا، وخلق جسور تواصل مع فاعلين في مجالات مختلفة، وهو ما عزز حضوره في المشهد العام.

غير أن هذه الدينامية لم تستمر، حيث عرف الحزب منعطفا حاسما بعد تعيين منسق جهوي جديد قبل حوالي ثلاث سنوات. ومنذ ذلك الحين، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بشكل واضح، سواء على مستوى التأطير أو الحضور الميداني. فقد انسحب عدد مهم من المناضلين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للتنظيم، في ظل شعور عام بغياب نفس التعبئة الذي ميز المرحلة السابقة.

ومع توالي الأشهر، تعمّقت حالة  نسبية منالجمود داخل الحزب،  ، تجلت أساسا في إغلاق عدد من المقرات الحزبية التي كانت في وقت سابق فضاءات للنقاش والتأطير واستقطاب الكفاءات. هذا الإغلاق لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل عكس حالة من الفراغ السياسي والتنظيمي، وطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحزب بالجهة.

ويرى عدد من المتتبعين أن المقارنة بين المرحلتين تكشف بوضوح حجم الفارق في أسلوب التدبير والرؤية التنظيمية. ففي الوقت الذي نجح فيه أنوار بن بوبكر في خلق دينامية قائمة على التواصل والتعبئة والانفتاح، تعيش المرحلة الحالية على وقع انكماش واضح، أفقد الحزب بريقه وأضعف حضوره في الساحة السياسية.

اليوم، وأمام هذه الوضعية، تبدو حظوظ حزب الاتحاد الدستوري بجهة فاس مكناس محدودة في أفق الاستحقاقات المقبلة، ما لم يتم القيام بمراجعة عميقة تعيد الاعتبار للعمل الميداني، وتستلهم من التجارب الناجحة التي عرفها الحزب، وعلى رأسها المرحلة التي قادها أنوار بن بوبكر. فاستعادة الثقة لن تكون ممكنة دون إعادة بناء التنظيم على أسس واضحة، تعطي الأولوية للمناضل، وتعيد فتح قنوات التواصل، وتضخ دماء جديدة قادرة على حمل مشعل الحزب نحو مستقبل أفضل.

إن ما تحقق في فترة سابقة يثبت أن الحزب قادر على النهوض من جديد، متى توفرت الإرادة والقيادة القادرة على التأطير والتجميع. وبين ماضٍ حمل الكثير من الأمل، وحاضر يطبعه التراجع، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان حزب الاتحاد الدستوري سيستطيع استعادة توهجه، أم أن حالة الجمود ستستمر لتكرس مزيدا من الغياب عن المشهد السياسي الجهوي.

من التعبئة إلى العزوف.. الاتحاد الدستوري بفاس مكناس بين عهد بن بوبكر والانهيار التنظيمي
التعليقات (0)
اضف تعليق