ز.كريم
في مكناس لم تعد الأزمة مجرد حفر في الطرقات أو أعمدة إنارة معطلة. ما تعيشه المدينة اليوم أعمق من اختلالات تقنية عابرة؛ إنه ارتباك في ترتيب الأولويات، وخلل في منطق المساءلة، واتساع في فجوة الثقة بين المنتخبين والساكنة.
مدينة بتاريخ عريق وإرث حضاري ثقيل، لكنها تواجه تحديات يومية واضحة: بنية تحتية متدهورة في أحياء عدة، مرافق عمومية لا تواكب التوسع العمراني، وبطالة تضغط على فئة الشباب. ورغم ذلك، يتجدد الخطاب نفسه مع كل استحقاق انتخابي: وعود كبرى، شعارات براقة، وتعهدات بإصلاح شامل، غالبا ما تصدر عن الوجوه ذاتها التي كانت جزءا من دوائر القرار.
الإشكال لا يكمن فقط في ضعف الإنجاز، بل في ازدواجية الخطاب. المشهد ذاته: شوارع رئيسية تحظى بإصلاح سريع وتجميل واضح، مقابل أزقة فرعية تعاني الإهمال وتنتظر إدراجها في “برمجة لاحقة”. هذا التفاوت يعمق الإحساس بانتقائية في التدبير، حيث تتقدم الواجهة على الجوهر، وتقدم الصورة على الحاجة الفعلية.
إلى جانب ذلك، يثير منطق الأولويات تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار: هل ترتّب المشاريع وفق دراسات موضوعية وحاجيات ملحة، أم وفق اعتبارات سياسية وضغط علاقات؟ حين يشعر المواطن أن صوته الانتخابي هو رأسماله الوحيد، وأن الاستجابة تختلف باختلاف القرب من مراكز القرار، فإن الثقة تتآكل تدريجيا.
المدينة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى وضوح في الأرقام والمعطيات: كيف صرفت الميزانيات؟ ما نسبة إنجاز المشاريع المعلنة؟ من يتحمل مسؤولية التأخير؟ الشفافية ليست ترفا سياسيا. بل شرطا لاستعادة الثقة.
السؤال اليوم لم يعد: ماذا سيعدنا المرشحون؟السؤال الحقيقي هو: ماذا يفعلون بعد أن امتلكوا سلطة القرار الآن؟
إعادة الاعتبار لـمكناس تمر عبر قطيعة مع منطق التجميل الظرفي، واعتماد تدبير يضع الأحياء الهامشية في صلب التخطيط لا على هامشه. تمر عبر منتخبين يملكون جرأة الاعتراف قبل جرأة الترشح، ويقدمون حصيلة قابلة للتقييم لا شعارات قابلة للتصفيق.
مدينة بحجم مكناس تستحق إدارة بحجم تاريخها، ومحاسبة بحجم انتظارات ساكنتها. وبين الوعود والواقع، تبقى المساءلة هي الفيصل.