تاونات.. أمطار غزيرة، بنية تحتية منهارة، ومجالس منتخبة غائبة عن معاناة الساكنة

عادل عزيزي

لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفها إقليم تاونات خلال الفترة الأخيرة حدثا استثنائيا بقدر ما كانت كاشفا حقيقيا لحجم الهشاشة، ومرآة فاضحة لفشل المجالس المنتخبة في الاضطلاع بأدوارها الدستورية والتنموية، فمع أولى ساعات الأمطار القوية، تحولت عدة دواوير وجماعات بالإقليم إلى مناطق منكوبة، طرق مقطوعة، منازل متضررة أو منهارة، فيضانات جرفت الممتلكات، وساكنة تركت لمصيرها في غياب شبه تام لأي تدخل جماعي منظم.
أكثر ما أثار استياء الرأي العام المحلي ليس فقط حجم الأضرار، بل الصمت المطبق للمجالس الجماعية والمستشارين المنتخبين، فلا زيارات ميدانية، ولا بلاغات توضيحية، ولا تنسيق ظاهر مع السلطات، ولا حتى حضور رمزي يطمئن الساكنة، وكأن ما يحدث خارج الزمن السياسي، أو لا يعني من انتخبوا لتمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
إن ما عرفه إقليم تاونات لم يكن مفاجئا، فالمنطقة معروفة بطبيعتها الجغرافية الوعرة، وبشبكة طرق هشة، وبانتشار البناء العشوائي قرب الأودية والمناطق المنخفضة، في ظل تساهل مزمن من الجماعات المتعاقبة، كما أن قنوات صرف المياه في عدد من المراكز القروية والحضرية تعاني الإهمال وانعدام الصيانة، وهو ما يجعل كل تساقطات قوية قنبلة موقوتة، فأين كانت المجالس المنتخبة حين كان بالإمكان الوقاية بدل انتظار الكارثة؟
الأخطر من ذلك، أن المجالس الجماعية بإقليم تاونات بدت وكأنها كيانات معطلة، لا تمارس سوى الحد الأدنى من وظائفها الإدارية، بينما تغيب تماما في لحظات الأزمات، فالساكنة لم تلحظ أي تفعيل لمخططات استباقية، ولا إجراءات تحسيسية، رغم التحذيرات المتكررة من التقلبات المناخية، هذا الغياب لا يمكن تفسيره إلا بضعف الكفاءة، وغياب الحس بالمسؤولية، والاكتفاء بمنطق “الفرجة” وانتظار تدخل السلطات الإقليمية.
وفي مقابل هذا الغياب اللافت للمجالس المنتخبة، لا يمكن إلا الإشادة بتدخلات السلطات العمومية بالإقليم، التي تحركت، رغم محدودية الإمكانيات، لاحتواء الوضع والتقليل من حجم الخسائر، فقد تم فتح عدة محاور طرقية، وتأمين المناطق المتضررة، وتعبئة عناصر الدرك الملكي، الامن الوطني، الوقاية المدنية، القوات المساعدة والسلطات المحلية، في تدخلات ميدانية مباشرة كان لها دور أساسي في حماية الأرواح وتقديم المساعدة الأولية للساكنة، غير أن هذا التدخل، على أهميته، يسلط الضوء على اختلال واضح في توزيع الأدوار، حيث اضطرت السلطات إلى سد فراغ منتخبين كان من المفترض أن يكونوا في الصفوف الأمامية.
لقد تحولت المجالس المنتخبة، في نظر عدد كبير من سكان الإقليم، إلى مجرد واجهات انتخابية موسمية، تنشط خلال الحملات وتختفي عند الشدائد، وهو ما يطرح سؤالا عميقا حول جدوى التمثيل المحلي إذا كان المنتخب عاجزا عن الحضور في أصعب اللحظات، أو عن الدفاع عن أبسط حقوق الساكنة، وعلى رأسها الحق في السلامة والعيش الكريم.
ولا يمكن إعفاء هذه المجالس من مسؤوليتها في تفاقم الأوضاع، سواء عبر غض الطرف عن البناء في مجاري الأودية، أو الفشل في إدراج مشاريع حقيقية لتقوية البنية التحتية ضمن برامج التنمية، أو العجز عن تتبع وتنفيذ ما هو مبرمج أصلا، فالكارثة الطبيعية تتحول إلى مأساة إنسانية حين تلتقي الأمطار بالإهمال وسوء التدبير.
إن ما وقع في إقليم تاونات يجب أن يكون جرس إنذار، لا مناسبة عابرة للنسيان. كما يستدعي فتح نقاش عمومي جاد حول أداء المجالس الجماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بتبرير الفشل بعوامل خارجة عن الإرادة، فالأمطار قدر، لكن التقصير اختيار.
ختاما، إذا كانت فيضانات تاونات قد كشفت شيئا واحدا بوضوح، فهو أن الأزمة ليست فقط أزمة مناخ، بل أزمة تمثيل محلي، وأزمة مجالس منتخبة غائبة عن هموم الساكنة، وحاضرة فقط في الصور والمناسبات، والسؤال الذي يبقى معلقا، من يحاسب من، ومن يحمي المواطن عندما تغيب المجالس المنتخبة عن الميدان؟

بنية تحتية منهارةتاونات.. أمطار غزيرةومجالس منتخبة غائبة عن معاناة الساكنة
التعليقات (0)
اضف تعليق