عادل عزيزي
تعد الأسواق الأسبوعية بإقليم تاونات من بين أهم المحركات الاقتصادية بالجهة، غير أن وضعيـتها الحالية تكشف عن مفارقة صادمة بين حجم المداخيل المالية التي تحققها ومستوى الإهمال الذي تعاني منه، وتبرز هذه المفارقة بشكل أوضح في كل من سوق الأحد عين عائشة وسوق الأربعاء تيسة، اللذين يصنفان ضمن أكبر الأسواق الأسبوعية على مستوى جهة فاس مكناس، سواء من حيث عدد المرتادين أو حجم المعاملات والمداخيل المحصلة.
فرحة ناقصة
فلاش 24 قامت بزيارة إلى بعض الأسواق أسبوعية بإقليم تاونات، والتقت بتجار وحرفيين وفلاّحين عدّة عبّروا في تصريحات متطابقة عن ابتهاجهم بنزول الأمطار التي تبشّر بسنة فلاحية جيدة ستنتعش فيها تجارتهم، مسجلّين الوضعية المزرية التي توجد عليها أغلب الأسواق الأسبوعية بالإقليم، باعتبارهم باعة يطوفون معظم الأسواق، بسبب ضعف البنية التحتية.
وأوضح هؤلاء الباعة أن المشاكل التي يعانون منها تتمثل في انتشار الأزبال، والبرك المائية والأوحال خلال فصل الشتاء، ونقص الواقيات، ما يفسد نشاطهم التجاري ويعيق استقبال أكبر عدد ممكن من الزبناء، وقال أحدهم: “أنا كنبيع الدجاج والذبح والترياش في الهواء الطلق، زد على ذلك البرك المائية من كل مكان رغم أداء الجبايات
أسواق كبرى، وتدبير دون المستوى
ورغم الأهمية الاقتصادية لهذين السوقين، فإن الواقع الميداني يكشف عن بنية تحتية متآكلة لا ترقى إلى مكانتهما ولا إلى حجم الموارد التي يدرانها على جماعتي عين عائشة وتيسة، أرضيات غير مبلطة، غياب شبه تام لقنوات تصريف المياه، انتشار الأزبال، وانعدام مرافق مغطاة تحمي الباعة والسلع، في مشاهد تتكرر مع كل موسم مطري، وتحول هذه الفضاءات إلى نقاط سوداء بدل أن تكون رافعة للتنمية المحلية.
ويؤكد باعة وفلاحون أن السوقين لم يعرفا تغييرات جوهرية منذ سنوات، رغم الارتفاع المتواصل للمداخيل، ورغم أداء الرسوم والجبايات بانتظام، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا، كيف يمكن لأسواق تعد من الأكبر جهويا أن تشتغل في ظروف أقرب إلى الهشاشة القروية؟
مداخيل مرتفعة، واستثمار غائب
تحقق جماعـتا عين عائشة وتيسة مداخيل مهمة من السوقين الأسبوعيين، وهو ما يجعل مسؤولية المجالس الجماعية مضاعفة، ليس فقط في تحصيل الموارد، بل في إعادة توظيفها لتحسين البنية التحتية وتوفير شروط اشتغال لائقة. غير أن غياب أثر ملموس لهذه الموارد على أرض الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أولويات التدبير المحلي، وشفافية صرف هذه المداخيل.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن استمرار هذا الوضع لا يمكن تبريره بنقص الإمكانيات، خاصة وأن الحديث يتعلق بأسواق تعتبر من بين الأكثر مردودية على مستوى الجهة، ما يجعل ضعف التأهيل خيارا تدبيريا لا إكراها ماليا.
أرضيات موحلة ومخاطر يومية
ومع أولى زخات المطر، تتحول أرضيات هذه الأسواق الأسبوعية إلى برك من الوحل والمياه الراكدة، ما يعرقل حركة الباعة والمتسوقين، ويعرضهم لمخاطر الانزلاق والسقوط، فضلا عن صعوبة ولوج كبار السن والنساء إلى هذه الفضاءات. كما تصبح الأسواق أشبه بمستنقعات موحلة، تفتقر لأبسط شروط السلامة والنظافة.
تلف السلع وغياب فضاءات مغطاة
ولا تقتصر المعاناة على الحركة والتنقل، بل تمتد إلى السلع المعروضة للبيع، خاصة المواد الغذائية والخضر والفواكه، التي تتعرض للتلف بسبب غياب مرافق مغطاة تحميها من الأمطار والرطوبة. ويجد الباعة أنفسهم مجبرين على نصب خيام مؤقتة وسط ظروف مناخية قاسية، تؤثر بشكل مباشر على نشاطهم اليومي وعلى مداخيلهم المحدودة أصلا.
مخاطر صحية ومسؤولية قانونية مباشرة
إن استمرار بيع المواد الغذائية واللحوم والخضر في فضاءات مكشوفة، وسط الأوحال والمياه الراكدة، يشكل خطرا صحيا حقيقيا، ويضع المجالس الجماعية المعنية أمام مسؤوليات قانونية واضحة، في ظل القوانين المنظمة للصحة والسلامة وحماية المستهلك، كما أن أي حادث عرضي أو حالة تلوث غذائي قد تتحول إلى مساءلة مباشرة حول التقصير في توفير الحد الأدنى من شروط السلامة.
مطالب بمخطط تأهيل يليق بحجم الأسواق
أمام هذا الوضع، تتصاعد المطالب بإخراج مخطط استعجالي ومتوسط المدى لتأهيل الأسوق، يشمل تبليط الأرضيات، وإنجاز شبكة فعالة لتصريف المياه، وإحداث مرافق مغطاة ومنظمة، مع إشراك المهنيين في تدبير هذه الفضاءات، واعتماد مقاربة شفافة في تدبير المداخيل.
اختبار حقيقي للحكامة المحلية
إن وضعية هذين السوقين تضع جماعتي عين عائشة وتيسة أمام اختبار حقيقي لمدى التزامهما بمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإما تحويل هذه الأسواق الكبرى إلى فضاءات منظمة تليق بمكانتها الجهوية، أو الاستمرار في منطق تحصيل المداخيل دون استثمار، بما يكرس الهشاشة ويقوض أي حديث عن تنمية محلية مستدامة.