بقلم العزيزي عبد المجيد
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية، وتتعقد فيه أسئلة الهوية والاختلاف، تبرز تجربة المنتج المسرحي فابريس تبول بوصفها مسارا فنيا يتجاوز منطق الإنتاج العددي نحو بناء معنى إنساني عابر للحدود. تجربة لا تنظر إلى المسرح باعتباره منتوجا ترفيهيا عابرا، بل كفضاء للتفكير المشترك، ومختبرا حيا لاختبار إمكانات اللقاء بين الذوات والثقافات.ورغم حداثة عهد فابريس تبول بمجال الإنتاج المسرحي، فقد استطاع في فترة وجيزة أن يفرض حضوره داخل المشهد الفني بدينامية لافتة، مكّنته من إنتاج أكثر من خمسة أعمال مسرحية، مؤكدا أن الشغف حين يقترن برؤية واضحة قادر على اختصار الزمن وصناعة الأثر. شغف لا يكتفي بتكديس العروض، بل يراهن على عمق التجربة وقيمتها الرمزية.
ومن بين هذه التجارب، تبرز مسرحية «المجد الأبرار» بوصفها عملا جماعيطا يؤسس لفكرة المسرح كجسر إنساني قبل أن يكون مجرد منصة للعرض. يشارك في تشخيص هذا العمل أزيد من عشرة ممثلين من مدينة مراكش المغربية، إلى جانب عشرة ممثلين من مدينة باريس الفرنسية، في تلاق فني نادر، تذوب فيه الفوارق اللغوية والجغرافية لصالح لغة مسرحية كونية، قوامها الجسد، والإيقاع، والأسئلة المشتركة حول الإنسان ومصيره. هنا لا تعود الخشبة ملكا لثقافة واحدة، بل تصبح مساحة مشتركة للبوح، والاختلاف، والتكامل.
وتندرج هذه المغامرة الفنية ضمن مشروع أوسع يتمثل في تأسيس مجموعة عربية ستاج (ARABIA STAGE GROUP)، التي أحدثت سنة 2025 بمدينة مراكش كشركة متخصصة في إنتاج العروض المسرحية. مشروع يعلن منذ بدايته انفتاحه على التجارب الدولية، مع الحفاظ على جذوره الضاربة في التربة الثقافية المغربية، وسعيه إلى فتح فروع له بفرنسا، في خطوة تعكس وعيا عميقا بأهمية الحضور المتوازن بين الضفتين، فنيا وثقافيا.من خلال هذا المسار، يسعى فابريس تبول إلى إعادة تموقع المغرب كفاعل أساسي في مجال الفنون الحية على مستوى شمال إفريقيا، عبر بناء جسور حقيقية بين الفنانين المغاربة ونظرائهم الأوروبيين، وتقديم عروض مسرحية تزاوج بين التقاليد المحلية والابتكار المعاصر، دون السقوط في فخ الفولكرة أو الاستنساخ. إنه رهان جمالي وفكري يؤمن بأن الخصوصية ليست نقيض الكونية، بل أحد شروطها الجوهرية.في هذا الملتقى الخلاق بين الذاكرة المغربية والحس الجمالي الفرنسي، يولد المسرح بصيغة جديدة: لا باعتباره فعل فرجة فقط، بل كفعل ثقافي وإنساني قادر على فتح الحوار، وخلخلة المسلمات، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية، والانتماء، والمعنى. هكذا تبدو تجربة فابريس تبول ومجموعة عربية ستاج أشبه بورشة مفتوحة على الاحتمال، تؤسس لأفق واعد لمسرح مغربي منفتح، طموح، وعابر للحدود، يجعل من الخشبة وطنا مؤقتا للإنسان… أينما كان.