عادل عزيزي
في لحظة كان يفترض أن تكون وداعا أخيرا يختلط فيه الحزن بالصبر، وجدت أسرتان نفسيهما أمام مأساة إنسانية مركبة، تجاوزت ألم الفقد إلى وجع يصعب استيعابه، أسرة من مدينة تاونات وأخرى من جماعة أولاد داوود، جمع بينهما حزن واحد، وفرقتهما جثة، قبل أن يعيدهما خطأ جسيم داخل مستودع الأموات إلى دائرة الصدمة والذهول، فبدل أن تنصرف كل أسرة إلى فاجعتها الخاصة، وجدت نفسها تتقاسم معاناة واحدة عنوانها اختلاط الجثامين وضياع الحقيقة وانتهاك حرمة الموت.
بداية الخطأ داخل المستودع
بحسب معطيات حصلت عليها جريدة “فلاش 24” من مصادر مطلعة، فإن خللا خطيرا وقع أثناء عملية تدبير وتسليم الجثامين داخل مستودع الأموات بالمستشفى الغساني بمدينة فاس، حيث جرى الخلط بين جثماني سيدتين، إحداهما تنحدر من مدينة تاونات، والأخرى من جماعة أولاد داوود.
التحقيقات الأولية تشير إلى أن تشابه الأسماء، حيث كان الجثمانان يحملان الاسم نفسه “ف. ش”، ساهم بشكل مباشر في وقوع هذا الخطأ، خاصة في ظل وجود ملف واحد يحمل الاسم ذاته لجثتين مختلفتين، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول آليات التحقق والتوثيق المعتمدة داخل هذا المرفق الحساس.
تسليم الجثمان… والدفن قبل اكتشاف الحقيقة
الأخطر في هذه الواقعة، وفق المصادر ذاتها، هو أن جثمان السيدة المنحدرة من مدينة تاونات تم تسليمه فعليا إلى أسرة السيدة الأخرى المنحدرة من جماعة أولاد داوود، حيث جرت عملية التشييع والدفن بشكل عادي، دون أن ينتبه أفراد الأسرة إلى الخطأ في تلك المرحلة لتواجد الجثة داخل صندوق، في ظل حالة الحزن والارتباك التي ترافق مثل هذه اللحظات الإنسانية القاسية.
وفي المقابل، كانت أسرة الفقيدة التاوناتية تنتظر تسلم جثمان والدتهم، قبل أن تكتشف عند المعاينة داخل المستودع أن الجثمان المعروض عليها لا يعود لها، ما خلف حالة من الذهول والاستياء داخل المستودع.
مكالمة قلبت الحزن إلى صدمة
بعد إتمام عملية الدفن، تفاجأت أسرة السيدة المنحدرة من جماعة أولاد داوود باتصال هاتفي من أحد المسؤولين المشرفين على مستودع الأموات، يخبرهم فيه بأن الجثمان الذي تم تشييعه ودفنه لا يعود لوالدتهم، وأنهم، عن طريق الخطأ، قاموا بدفن جثمان سيدة أخرى.
مكالمة واحدة كانت كفيلة بتحويل الحزن إلى صدمة ثانية، إذ تحول الألم إلى ذهول، والذهول إلى وجع مضاعف، بعدما اكتشفت الأسرة أنها ودعت جسدا لا يمت بصلة لفقيدتها، لتضاف إلى مأساة الفقد مأساة أخرى تمس المشاعر الإنسانية وحرمة الموت.
شهادات ومعطيات مقلقة
وفي تصريح للجريدة، أفاد أحد أفراد أسرة السيدة المتوفاة المنحدرة من جماعة أولاد داوود، أنه قام بمعاينة جثمان جدته والتأكد من هويته قبل وضعه داخل الصندوق، قبل أن يغادر المستودع في انتظار استكمال باقي الإجراءات، مؤكدا أن تشابه الأسماء وغياب التحقق الدقيق كانا سببا مباشرا في هذا الخلط الخطير.
هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول
كيف يسمح بوجود ملف واحد لجثتين مختلفتين؟
أين ملف جثمان السيدة التي تنحدة من تاونات؟
من يتحمل مسؤولية التحقق النهائي من هوية الجثمان؟
وأين هي آليات المراقبة والمحاسبة داخل مستودعات الأموات؟
تصحيح متأخر وجرح لا يندمل
عقب انكشاف الخطأ، باشرت الأسر المعنية اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية المعمول بها من أجل تصحيح الوضع، وتسلم كل أسرة لجثمان فقيدتها، تمهيداً لإعادة الدفن في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية وتصون حرمة الموت.
غير أن تصحيح الخطأ إداري لم ينه الجرح النفسي العميق الذي خلفته هذه الواقعة، خاصة لدى الأسرة التي اكتشفت بعد الدفن أنها شيعت جثمانا لا يعود لفقيدتها، في واحدة من أقسى الصور التي يمكن أن يعيشها الإنسان في لحظة وداع.
أسئلة مفتوحة ومسؤولية مطلوبة
تعيد هذه الحادثة المؤلمة إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير مستودعات الأموات بالمستشفيات العمومية، ومدى احترام المساطر القانونية المعتمدة في التعريف بالجثامين وتسليمها إلى ذويها، بما يضمن احترام مشاعر الأسر المفجوعة وصون كرامة الموتى.
كما تطرح بإلحاح مسألة المسؤولية والمحاسبة، وضرورة مراجعة طرق الاشتغال داخل هذه المرافق الحساسة، تفاديا لتكرار أخطاء لا تمس فقط الجوانب الإدارية، بل تضرب في العمق حق الإنسان في وداع كريم.
حادثة فاس ليست مجرد خطأ إداري عابر، بل جرس إنذار واضح بوجود اختلالات تستوجب التصحيح العاجل، لأن كرامة الموت لا تقل قدسية عن حق الأحياء في الحقيقة والإنصاف.