عادل عزيزي
في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار ترشيد استعمال الماء وتقرع طبول الأزمة المائية، تتسرب المياه في صمت عبر عروق بلاستيكية من سد الساهلة نحو وجهات غير تلك التي أُنشئ من أجلها.
فالسد الذي كان يفترض أن يؤمن الماء الصالح للشرب لآلاف السكان، تحول اليوم إلى خزان خاص لحقول القنب الهندي المنتشرة على ضفافه، عبر شبكة من الأنابيب والمحركات التي تشتغل ليل نهار، في غياب أي مراقبة أو تدخل رسمي يوقف هذا النزيف المائي المستمر.
هذا الوضع لا يهدد فقط العدالة المائية في التوزيع، بل يضرب الأمن المائي للمنطقة في الصميم، فاستنزاف مياه السد يضع المخزون الاستراتيجي للماء في خطر، وينذر بـجفاف وشيك، خصوصا في ظل غياب المراقبة وتراخي الأجهزة المعنية عن تطبيق القانون.
الأمر لم يتوقف عند تشغيل المحركات فقط، بل تعداه إلى تشييد صهاريج ضخمة بشكل عشوائي وبميزانيات خيالية، من طرف لوبيات متحكمة في زراعة النبتة، يتم جلب الجرافات والأنابيب والمولدات والعمال، لتنشأ شبكات مائية موازية تلتهم ما تبقى من الثروة المائية، دون أي ترخيص أو مراقبة.
الأدهى من ذلك أن هذا الاستنزاف الممنهج يجري على مرأى الجميع، دون أي رد فعل رسمي أو حملات تفتيشية حقيقية، وكأن استنزاف مياه السد مسألة عادية لا تستحق التحقيق أو المساءلة، فقط صمت ثقيل يرافقه انخفاض متواصل في منسوب المياه، يوحي بأن الجفاف القادم لن يكون طبيعيا فقط، بل مفتعلا بسوء التدبير والتغاضي المقصود.
ما يجري بسد الساهلة ليس مجرد خرق بيئي عابر، بل جريمة في حق الماء والحياة، تستوجب تدخلا عاجلا وحازما من السلطات الوصية، قبل أن نصحو ذات صباح على مشهد السد وقد جف بالكامل، وتكتب على ضفافه لوحة صغيرة تقول، “هنا كان الماء… قبل أن تبتلعه أنابيب الكيف”.