عادل عزيزي
عندما أعلنت الدولة عن المصادقة على القانون 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، تنفس الآلاف من الفلاحين في مناطق كالشاون، الحسيمة، وخصوصًا إقليم تاونات، الصعداء، بدا الأمر وكأنه نقطة تحول تاريخية، تقطع مع سنوات من الريبة والملاحقات و الابتزاز، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية والإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
لكن بعد مرور أكثر من سنة على انطلاق أولى عمليات الزرع في إطار التقنين، يظهر أن الواقع على الأرض لا يعكس تمامًا طموحات النصوص القانونية ولا الخطابات الرسمية، فما زال كثير من الفلاحين يعانون من تأخر المستحقات، وغياب الوضوح في العلاقة مع الشركات، بل ويدفع بعضهم ثمن “ثقتهم” في المشروع بسحب قروض دون ضمانات كافية لبيع المحصول أو استرداد التكاليف.
القانون في صيغته العامة كان متقدمًا، بل ولاقى ترحيبًا واسعًا من أطراف متعددة، أبرزها الفلاحون أنفسهم الذين رأوا فيه فرصة لـ”رد الاعتبار” وتحويل مورد معاشهم من تهمة إلى قيمة مضافة، لكن الفجوة ما بين النص وتطبيقه على الأرض كشفت عن أعطاب في التنفيذ و التزيل.
في إقليم تاونات، حيث تعد منطقة غفساي الكبرى من أبرز مناطق زراعة القنب الهندي، لم يخفِ عدد من الفلاحين والتعاونيات استياءهم من الوضع، لأنهم راهنوا بكل ما لديهم على المشروع، بعضهم باع ماشيته، وآخرون اقترضوا لشراء البذور والمعدات وفق شروط الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي.
لكن، ما إن تم تسليم المحصول حتى دخلوا في صمت إداري ومالي، لا جهة ترد، ولا تعويضات عن محاصيلهم تُصرف، ولا محاسبة تطال المتخلفين عن الالتزامات.
في خضم هذا الوضع، يبرز غياب تام للمسؤولين المحليين والجهويين، خاصة داخل غرف الفلاحة والسلطات الترابية، عن لعب دور الوساطة أو على الأقل التوضيح!
الفاعل السياسي أيضًا يكتفي بالمراقبة من بعيد، بينما ينتظر المواطن/الفلاح من يمثّله ويدافع عنه أمام تعقيدات التقنين وتعثراته!
هل من المقبول اليوم أن يظل رئيس غرفة الفلاحة في جهة فاس-مكناس، وهو المعني الأول بملف الفلاحة و الفلاح صامتًا أمام احتجاجات الفلاحين؟
وهل دور الوكالة الوطنية للتقنين يقتصر فقط على تسليم التراخيص، أم أن من مسؤوليتها مراقبة تنفيذ العقود وضمان احترام آجال الأداء؟
تأخُّر شركات تقنين القنب الهندي في أداء مستحقات الفلاحين لا يمكن اختزاله في “سوء تدبير” أو “إشكالات تقنية”، بل هو تعبير فاضح عن خلل هيكلي يُهدد فلسفة التقنين في جوهرها، ويمسّ بجوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.
فحينما تُطلق الدولة مشروعًا بهذا الحجم، وتروّج له باعتباره مدخلًا للتنمية والعدالة المجالية، ثم يُترك المزارع، الذي كان لعقود يصارع في الهامش، يواجه نفس التهميش، لكن هذه المرة بغطاء قانوني، فإن الأمر يتحوّل من مجرد فشل في التدبير إلى خيانة للثقة.
الثقة التي تُبنى ببطء، تتهدّم بسرعة، حين يشعر المواطن أن المؤسسات التي يفترض أن تحميه وتنصفه، باتت جزءًا من التماطل واللامبالاة، التأخر في الأداء المالي ليس مجرّد مسألة محاسبية، بل هو رسالة سلبية توصلها الدولة لمزارعيها، “أنتم في أسفل سلم الأولويات”.
إن تأخر أداء مستحقات مزارعي القنب الهندي، رغم اشتغالهم وفق مساطر قانونية واضحة وتحت إشراف مؤسسات الدولة، لا يضر فقط بمصدر رزق هؤلاء الفلاحين، بل يهدد أيضًا ثقة المواطنين في السياسات العمومية برمتها.
فعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تفي بالتزاماتها، حتى في مشاريع أُحيطت بكثير من الترويج والأمل، فإن الإحباط يتسرب، وتنمو مشاعر الشك في جدية كل مشروع تنموي جديد.
الثقة تُبنى بالأفعال، لا بالبلاغات، وأداء مستحقات المزارعين ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار حقيقي لنزاهة وفعالية مشروع التقنين من جذوره.
ليس تأخر شركات تقنين القنب الهندي في أداء مستحقات الفلاحين مجرد سوء تدبير، ولا مجرد خلل إداري أو تعثر مالي عابر، هو أكبر من ذلك بكثير.
إنه مؤشر خطير على ما يُمكن تسميته “أزمة ثقة مزمنة” بين المواطن ومؤسسات الدولة، تتفاقم بصمت تحت غطاء التقنين والقانون.
لسنا هنا في مقام الاتهام أو التشكيك، لكن المطلوب اليوم هو نقاش وطني ومحلي هادئ، يجمع الفاعلين الأساسيين: الفلاحون، المستثمرون، الوكالة الوطنية، المنتخبون، المجتمع المدني، وحتى الصحافة.
يجب أن يُطرح السؤال بصوت مسموع، ما مستقبل مشروع التقنين إذا فقد الفلاحون الثقة؟
وكيف يمكن لمشروع تنموي أن ينجح دون عدالة في توزيع الأرباح، وشفافية في العقود، وضمانات اجتماعية؟
فالتقنين ليس مجرد إجراءات قانونية أو أرقام في تقارير، بل عقد أخلاقي وتنموي بين الدولة ومواطنيها، يُفترض أن يكرّس العدالة ويردّ الاعتبار للمناطق المهمشة، لا أن يضاعف أوجاعها.
ما يحصل اليوم لا يضر فقط بجيب الفلاح، بل يُقوّض ما تبقى من الرمزية الإيجابية للدولة، وهذا أخطر ما في الأمر، إذ أن الدولة حين تفقد مصداقيتها في عيون مواطنيها، تصبح مجرد جهاز فوقي، لا يستمد شرعيته من الثقة، بل من القهر أو اللامبالاة.
المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر، بل أيضًا بسبب الخذلان المؤسسي، وإذا لم تُسارع الدولة إلى استعادة ثقة المزارعين، عبر الوفاء بالتزاماتها ومحاسبة الشركات المتهاونة، فإن مشروع التقنين سيتحول من أداة إدماج إلى آلة إنتاج جديدة للتهميش… لكن هذه المرة، بموافقة رسمية.