تاونات.. الوديان القاتـ لة أو حين يتحول الترفيه عن  إلى مأساة

عادل عزيزي

 

في تاونات، حيث الطبيعة تخبئ بين جبالها الخضراء وديانا وسدودا وحقولا، يبدو المشهد جميلا من بعيد؛ لكن كل صيف، يتحول هذا الجمال إلى مأساة، وتصبح الوديان مقابر مائية لأطفال وشباب لم يجدوا مكانا يهربون إليه من حرارة الشمس وفقر المكان… سوى الوديان.

في قرى الإقليم، لا مسابح عمومية، لا حدائق، لا ملاعب.

فقط عطش، وبطالة، وشباب يجر أقدامه نحو الضياع، أو يركض نحو وادٍ يظنه خلاصا، فإذا به موتا محققا.

في بداية الصيف، غرق طفلين شقيقين في وادي “ورغة”، الكبير في الرابعة عشرة و الصغير في الثانية عشرة من عمره. خرجا من بيتهما فرحين، حافين القدمين، حاملين كسرة خبز في جيبهما، متمنّيان فقط أن “يبردا على قلبيهما”.

لكن الماء ابتلعهما في لحظة.

لا منقذ..

لا حارس..

لا إشعار بخطر..

بعده بأسبوعين، شقيقتين ابتلعتهما مياه واد “سبو”، أمام والديهما، الذين ظلا يصرخان ويبكيان على الضفة،

عاجزين..

خائفين..

مذهولين..

اما حالة اليوم فلشاب في ريعان شبابه، خرج هذا الصباح مع أصدقائه بحثا عن لحظة انتعاش تحت شمس حارقة، هربًا من ضيق المنازل وحرارة الحياة، ليلقى حتفه غرقا في أحد الوديان، في مشهد تكرر كثيرا، لكن الألم فيه لا يتكرّر أبدًا بنفس الطريقة.

كان يضحك، يحلم، يتمنى فقط أن “يبرد”، لكنه لم يعد.

لم تكن رحلة سفر، ولا مغامرة، بل مجرد خروج عادي في صيف قاتل، نحو وادٍ لا تحرسه أعين، ولا تحذر منه لوحات، ولا يؤمنه مسؤول.

أصدقاؤه صدموا، جموع من الناس تجمّعت على الضفة، عيون دامعة، أيدٍ ترتجف، وأم تنتظر في البيت ابنها ليعود في المساء، فإذا بها تتلقى خبرًا.

“ولدك غرق فالوادي..”

آه.. يا له من خبر..

ماذا بعد؟

مآسي تتكرر كل سنة..

وجراح تتوس..

، وأسر تُحطَّم..

مآسي لا تأتي من البحر، بل من غياب الدولة، من تقصير الجماعات، من صمت المسؤولين الذين لا يرون في شباب وأطفال تاونات سوى أرقامًا في تقارير الغرق، لا وجوهًا كانت تحلم بالحياة.

أليس من حق أبناء إقليم تاونات أن يحلموا كما يحلم أبناء المدن؟

أليس من حق أمّ أن تفرح بابنها في الصيف، بدل أن تنتظر جثته عند ضفة النهر؟

أليس من حق طفل أن يلعب دون أن يُخطف منه الأمل والعمر معًا؟

كم من أمّ في تاونات تنتظر عودة ابنها من الوادي ولا يعود..؟

كم من منزل يكتسي بالسواد كل صيف.. بينما المسؤولون يتباهون بتقارير السلامة والبرامج الموسمية؟

تاونات ليست فقط إقليمًا مهمّشًا…

إنه مقبرة مفتوحة…

وديانه ليست فقط طبيعة ساحرة…

إنها فخاخ و مصائد..

لأن لا لافتة تحذّر..

ولا سياج يمنع..

إنه الغرق في النسيان..

نكتب لا لنبكي، بل لنُحاكِم..

من المسؤول عن موت الشاب الذي غرق اليوم؟

من سيكتب في تقريره “عدد الغرقى هذا الشهر أكثر من عشرة”

دون أن يذكر أسماءهم..

أحلامهم..

ضحكاتهم..

أمهاتهم..

الغرقى ليسوا أرقامًا.

إنهم وجوه..

أحلام..

الغرق في تاونات ليس فقط في الماء

بل في التهميش..

في الإهمال..

في الصمت..

نريد مسابح جماعية..

نريد متنفسات..

نريد فقط حياة تحفظ كرامة الإنسان، ولا تجعل من وديان تاونات أفواهًا مفتوحة تلتهم فلذات الأكباد.

فلتكن هذه آخر صرخة، قبل أن تبتلعنا كلّنا الوديان.

تاونات.. الوديان القاتـ لة أو حين يتحول الترفيه عن  إلى مأساة
التعليقات (0)
اضف تعليق