ذ. بوناصر المصطفى
كثيرة هي الأحلام التي راودتنا في مسارنا الدراسي و لازالت تراودنا في حياتنا العلمية والعملية، لكن في كل مرة نستفيق على كوابيس تبعثر أركان رسومنا الوردية والتي عكفت الدكاكين السياسية مسخ معالمها في مخيلاتنا ولعامة الشعب، غابت عنها الرؤية المجتمعية الواعدة فركزت جهدها في اختيار برامج لا هي سياسية ولاهي اجتماعية عناوينها براقة صيغت باحترافية متناهية، الأضناء هم كائنات امتهنت السياسة عن نزوة تسكنها و حلم يرمي لبناء مجتمع متفسخ بعيد عن كل مكونات العلم والمعرفة، هدفها تغيير مكونات الشعب من مواطن أصيل إلى كائن منسلخ عن مجتمعة في منأى عن هم المشاركة في القرار، مدمن على السخافة دون إرادة بعيد عن تعقيدات ثقافة السؤال والسياسة.
فعلا قمة التراجيديا أن تعيش الإنسانية تحت تأثير هذا الاندحار الفظيع بدعوى نشر العولمة، والتي لن نجني من وراءها إلا ركام لامتناهي من الرداءة المتخفي وراء اخر صيحات الليبرالية المتوحشة، مصرة أن ترخي في أوساطنا قيم الخواء والاستلاب والجهل بدل الإبداع والاعتزاز بالقيم الإنسانية، وبنشر العنف كوسيلة ليسود الخوف من الآتي، فيسقط الإنسان رهينة تطلب اللجوء وتستسلم لأي حلول تضمن حياتها وتعطيها مقاس أن السلطة لمن يملك المال.
ربما قد نجحت محاولات رواد العلمانية في إطلاق مؤثراتهم في مجتمعات محافظة قاومت هذا الهجوم على القيم، تعددت محطات المقاومة، جاءت محطة 20 فبراير لتدق ناقوس الخطر، كي تضطر المؤسسة السياسية لمراجعة حساباتها، لكن للأسف بقيت هذه لمؤسسة مصرة على عنادها، ترفض التأسيس لأدوار حقيقية لبناء الدولة الوطنية وتطوير خطابها ليخرج من دائرة المواسم الانتخابية إلى ممارسة فعلية لمقومات اللعبة الديمقراطية.
سنوات مرت لم تروضها بقي المسؤول سجين المراحل الانتقالية والتبشير بحالات انفراج تأجل بقوة التعنت وبفعل الاستمرار في المراوغة، تأكد للمواطن بانه لم يجن من خطاباتهم سوى التعنت ومقاومة أرقام مسعورة اتسمت بصفة القهر والترفع عن مستوى عيش فئات تعبت من النواح، ومن إطلاق صرخات المعاناة، كي تحظى بلقمة أو جرعات برامج قد تقي لهف بطون لم تعد تتحمل المهدئات بتلك الجمل واللغة المنمقة المعدة للتسويق الإعلامي.
فمتى يكون للمواطن من حظ في كرامة العيش؟
ربما بطل الحكاية هذه المرة كانت مبادرة من شاب فضح بعضا من كواليس الفساد الاقتصادي معترضا على سياسات الاحتكار والقهر الاجتماعي انتشر بسرعة البرق عبر مواقع التواصل
فمتى ينتهي هدا المسلسل الدرامي؟
كيف يمكن قراءة سيناريو هذا البطل؟
هل تصح المراهنة على التغيير في مجتمع كل دواليبه تسيطر علية شناقة السياسة؟
في الحقيقة أصبح الرهان على التغيير صعب في مجتمع تسيطر عليه قوى سياسية معينة احتكرت القرار أسر عميلة تخدم أجندات خاصة، أفرزت حولها أغنياء جدد حملوا شعارات وقواعد ليبرالية متوحشة، بعد إنكار قواعد اللعبة السياسية وجحود بالوطن ليمهدوا لنفور جماعي من دائرة السياسة، القصد منه تغيب أسس الحوار والنقاش ليصبح البديل هو التركيز حول ممارسة رياضة التهييج والتمييع الإعلامي أو إفراغ المكبوتات في مهرجانات الانحلال والتفسخ.
هكذا استغلت الهشاشة المجتمعية والأمية فاشترت الذمم بالمال وببناء الأوهام، إلا أن الانخراط في هذا المسار بدعوى الفقر أو الجهل مردود عنه لان اغلب الذين ابتلعوا الطعم وساندوا المخطط هم الفقراء وأن أغلب الفئات أصبحت بالقوة كائنات مدجنة تبحث عن خلاص مؤقت، بحيث لم تستثمر قدراتها في تطويع تقنيات وسائل التواصل الحديثة والرفع من وعيها ومهاراتها، بقدر ما حولت هذه الفضاءات إلى منصات لنشر التفاهة وتكريس الرداءة بدل المعرفة وبث الرذائل و اليأس و تبخيس أي مبادرة قد تخلق التغيير أو تمهد لثورة ثقافية نحن في أمس الحاجة إليها.
لقد استعانت بإشاعة ثقافة التيئيس والتفاهة كسلاح للهيمنة بثورة ناعمة لتركيز سلطة المال لإعاقة سلطة العقل والمعرفة كي تصبح هذه الأخيرة مجرد ترف فكري
فهل من المعقول أن تنشا الدولة دون إنتليجينسيا أو نخبة مثقفة؟
أكيد أن التبشير بمنطق سلطة المال والدجل السياسي له عواقب وخيمة على المجتمع والإنسانية ككل لكونه تدبير بالوكالة لسلطة أسياد الكون الليبيرالي المتوحش لاستعباد البشر بمنطق البضاعة
أكيد أن سيادة منطق شناقة السياسة لا يختلف عن طرق التبشير بالخرافة والدجل، كونه من نزعات الاستبداد والدمار والعنف المتوحش، لأن هده الأساليب كلها تتوافق بأن نشر التجهيل هو الأسلوب الحاسم في إحكام السلطة على العقول كمدخل للاستفراد بها للتحكم وتدبير مصير الأمم وأحلامهم.
إنّ هده الأهداف لا تصد فقط الأفق بنسف كل أشكال السيادة ومقاومة الزحف الأجنبي بل هي أساليب متعمدة للإجهاز على مشروع بناء دولة وطنية لها قوة المناعة ضد أي زحف قادم من الخارج وذلك بتفتيت أركانها لتعوض منطق السوق والبضاعة فتجهز على كل القيم الإنسانية ضاربة عرض الحائط الالتزام الأخلاقي والمصلحة الجماعية.
#إلى أي حد تسرب لنا العجز عن إدراك هذه التحولات لفرملتها واحتواءها؟
# أي حد ساهمنا كل من جهته في هدا الوضع المأساة؟
#هل بدانا نؤسس في أوطاننا لانهيار الديمقراطية وغرقها في أزمات خانقة؟
#هل غابت وظيفة سلط هياكل الدولة؟ سلطة الأسرة، سلطة المدرسة سلطة المثقف؟
#اين هي مؤسسات الوساطة التقليدية، الأحزاب، النقابات ومنظمات ألحكامه؟