عادل عزيزي
أصبحت في الآونة الأخيرة أجد صعوبة في استيعاب ما يريد السياسيون بإقليم تاونات إقناعنا به، إنهم يقولون الشيء ويفعلون نقيضه…!؟
لنأخذ مثالا، علق المستشار البرلماني و رئيس الغرفة الفلاحية لجهة فاس مكناس و رجل الأعمال، مصطفى الميسوري، على الفلاحين الذين يحتجون لمنعهم من زراعة “الدلاح”، في تدوينة له على حائطه الفايسبوكي، و كانت تدوينته خراج السرب، و طبق عليه المثل الدارجي “عمرو ما حبى وملي حبا طاح فالزربة” و المثل الآخر “الفقيه اللي نترجاو براكتو دخل للجامع ببلغتو”.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فلاحي المنطقة، تدخل الميسوري بصفته البرلمانية كممثل لساكنة والمفروض عليه الترافع و الدفاع على مشاكلهم أو تدخله بصفته رئيس غرفة الفلاحة، و القيام بدوره من خلال، المساهمة في تعميم المعلومات العلمية والتقنية والاقتصادية في مجال الفلاحة والتنمية القروية، وكذا أساليب العمل الحديثة لفائدة الفلاحين ومربي الماشية والمقاولين الشباب وتطوير تقنيات الانتاج والتسويق، من خلال التعاون المستدام مع مؤسسات البحث والتكوين الزراعي والتكنولوجي وكافة الهيئات الحكومية والمهنية المعنية، والمساهمة في دعم الاستثمار والتشغيل بالمنطقة، وإعداد بنوك للمعطيات حول ظروف وخصوصيات كل منطقة، وإقامة شراكة مع الفاعلين في الميدان من أجل إنعاش الاستثمار المحلي والجهوي، و كذلك العمل على تشجيع الفلاحين على التنظيم في إطار منظمات مهنية للدفاع عن مصالحهم، وتنمية قدراتهم الذاتية وترسيخ أسلوب التنظيم الجماعي في عملية الانتاج والتسويق، والقيام بدور الوساطة بينهم وبين المهنيين والمنظمات الأجنبية الهادفة إلي غاية مماثلة،كذلك، استثمار علاقاته سواء مع الحكومة أو مع شركات تهتم بالمجال الفلاحي، من أجل مد يد العون لفلاحي المنطقة.
يطالعنا المستشار البرلماني بتغريدة أقل ما يمكن القول عنها أنها تدوينة خارج السرب، علما أنه رجل أعمال ومسؤول عن شركة و رئيس الغرفة الفلاحية و مستشار برلماني، في حزب يترأس الحكومة و منسق إقليمي لهذا الحزب بالمنطقة.
لنتجاوز هذا الكلام الإنشائي، و نسائل السيد الميسوري بصفته المهنية بحكم استثماره في الميدان الفلاحي، عن الزراعة التي تسهلك الماء بشكل أكبر: الدلاح، لافوكا، القنب الهندي..؟
حسب المعرفة المتواضعة، ما تفعله “العشبة السامة” و “لافوكا” بماء المغاربة، لم تفعله السّنوات العجاف بمصر أيام “عزيزها”، لكن لا ماءَ في وجهِ من تنادي..
لنتجاوز هذا الكلام، ولننظر إلى الجانب الآخر من البلاد، إلى غفساي، بجبالها وخضرتها الخصبة، لكن قبل لك اسمحوا لي أن أغوص بكم في بعض الذكريات المؤلمة التي مرت بها بلادنا، كلنا نتذكّر مأساة “ريان”، الطفل الذي سقط في الجب، ولم يخرج حيّاً منه، بالرغم من أدعية عشرات الملايين من جمهور النقل المباشر لجهود إنقاذه، وجرى تأخير إعلان الخبر المأساوي وامتصاص الغضب. لماذا الغضب؟
ليس سوى معرفة السبب: زراعة “القنّب الهندي”، تمتص مياه المغاربة، ومعظمها يوجد في محيط “شفشاون” و”تاونات”، إذاً “الحشيش” لا يخرب عقل الإنسان فقط، بل يمتص ماءه..
ذلك لأن زراعة “الحشيش” عرفت عدة متغيرات، منذ بدأ العمل بتقنيين الكيف و دخول أنواع وأصناف أجنبية عالية الإنتاجية و الاستهلاك للماء، كما تمّ إدخال تقنيات الري الحديثة، وهو ما أدى إلى زيادة الضغط على موارد المياه في المنطقة، إلى أن تم استنزافها.
تُظهر صورٌ نُشرت في بعض المواقع التواصل الاجتماعي، الكيفية التي يتمّ بها تستنزف الموارد المائية بمناطق “التقني”، من طرف مزارعي “القنب الهندي”، فنرى مجموعةً من المضخّات على جانبي سد الوحدة و السهلة و على جنبات الوديان المنطقة، تُسحب مياهه بشراهة، لسقي أراضي زراعة “القنب الهندي”، التي تبلغ آلاف الهيكتارات.
ولنتجاوز المبالغات حول ما يروج عن استنزاف الثروة المائية من طرف مزارعي الكيف بإقليم تاونات، ونقوم بجولة صغير على ضفاف انهار ووديان منطقة غفساي و نرى ما يحدث بام أعيننا..!
إن أصحابنا قد غاصوا في هذا “الانفصام” إلى الأذقان حتى وجدوا له “تخريجة” مفادها التبرؤ من مسؤولياتهم التي توجد على عاتقهم، والدعوة بدل ذلك إلى اعتماد الاعتبارات الشخصية في التقييم والتعاقد، فاتحين المجال للتساؤل عن واقعية التعاقد الفردي عوض المؤسساتي، خاصة فيما يتعلق بالتواصل والإنجاز والمحاسبة!!..، مما جعلهم يغردون خارج السرب..؟