ذ. بوناصرالمصطفى
تعيش مدينة مراكش أزمة خانقة نتيجة التهيئة الحضرية والتي فرضتها في البداية اختيارات جيواستراتيجية باعتبارها مدينة لها ثقل تاريخي عريق تفرض مراعاته، فبالنظر لشوارعها الضيقة ولمنظومة السير الجولان العشوائية التي لن تفي بالغرض، أصبح النقاش محتدم للبحث عن حل ناجع في انتظار استقبالها لتظاهرات عالمية من الوزن الثقيل.
كحل لمشكل النقل الحضري وفك العزلة عن دواوير دخلت بالقوة مجالها بات يتداول في الأوساط وسيلة نقل الترامواي بالرغم من الأزمات التي عانت منها مدن مغربية كبرى كالبيضاء والتي لازالت تحصد خسائر في العتاد والأرواح.
لكن كيف يعقل أن تتحمل مراكش هذه الوسيلة والتي تحتاج إلى شوارع فسيحة؟ وقد حطمت أرقاما قياسية بخصوصية طوفان الدراجات؟
لقد واجهت مدينة مراكش ولا زالت تواجه تحديات كبيرة في مجال التهيئة الحضرية وإدارة السير والجولان ارتباكا تكرس بتزايد عدد ساكنتها وما خلفه التوسع العمراني المهول من مضاعفات على الخريطة الحضرية، لذلك أصبح من المستعجل التفكير في حلول مستدامة وفعالة.
أكيد أن تهيئة المجال الحضري لمراكش لم يتم مراعاة لا الأفق ولا وتيرة التطور المتسارع، مما نتج عنه ازدحام واختناق شديد في الشوارع، أثر على جودة الحياة والسير فأصبحت وضعيتها لا تحتمل لا التأجيل ولا ارتجال أي سياسة، فهي في أمس الحاجة إلى نظام نقل حضري متكامل يراعي خصوصيتها ويخفف الضغط على الطرق ويعزز جاذبيتها السياحية.
فبعض الأصوات الاعتباطية بدأت تقترح وسيلة الترامواي؟ أكيد أن نظرتها إلى هذه الوسيلة من زاوية ضيقة، بحيث انطلقت من إشكالية التخفيف من عدد السيارات، إلا أن الوسيلة المقترحة تفرض توفير مسارات خاصة بمرور المركبات وأخرى لعبور الراجلين للمساعدة في تنظيم حركة المرور.
وبما أن البنية التحتية للمدينة غير مناسبة لهذا النظام، كضيق الطرقات، المحافظة على السور التاريخي والتأقلم مع عادات السكان واحتياجاتهم في استعمال وسائل تقليدية الدراجة والكوشي والمنتزهات، يبقى من المفروض التخطيط لنظام حضري يأخذ بعين الاعتبار كل الشروط لتجاوز الإكراهات وضمان نجاعة واستدامة أي وسيلة تم التوافق على اعتمادها.
قد يكون مترو الأنفاق لمراكش كوسيلة لها فوائد متعددة تدعم هذا الخيار، إذ أنه وسيلة لاستغلال الفضاء التحت أرضي، بحيث سيخفف من الكثافة والازدحام على السطح، وييسر الحركية في الشوارع، وقد يسمح باستغلاله في نفس الوقت في إنشاء مساحات تجارية، مما يوفر فرصًا اقتصادية جديدة، هذا بالإضافة إلى الى اعتباره من الناحية الطبيعية فضاء يوفر تجربة مريحة لتفريغ الزوار والساكنة على حد سواء خلال فترات الحرارة المرتفعة في الصيف، حيث تكون درجات الحرارة تحت الأرض أكثر اعتدالًا.
يغلب الطرح أن مترو الأنفاق يسمح بنقل عدد كبير من الركاب بسرعة وكفاءة عالية دون أي ضجيج، ويتيح التقليل من الاعتماد على السيارات والدراجات، آلية تسمح بتحسين جودة هواء المدينة، حيث يزيد من الإقبال عليها كمدينة سياحية نظيفة فترتفع أسهمها في الجذب السياحي.
ربما من تحديات اختيار وسيلة ميترو الأنفاق تلك التكلفة العالية التي تتطلب استثمارات ضخمة، والتي تقف حاجزا أمام الميزانية المحلية، بما في ذلك التخطيط المعقد لتحديد المسارات المناسبة وطول مسار الدراسات الجيولوجية، اما إشكالية التأقلم الثقافي للساكنة مع نظام النقل الجديد، يبقى هامشيا بحيث تكفي فقط بعض حملات التوعية والإعلامية لتتكيف الساكنة مع مرورالزمن.
انطلاقا من هذا السرد العابر لطبيعة مراكش الطبيعية والبشرية، تصبح وسيلة مترو الأنفاق خيارًا واعدًا، بالنظر لمختلف التحديات المرتبطة به.
إذ من الأهمية بمكان إجراء دراسات شاملة لتقييم الجدوى المالية والتقنية والاجتماعية قبل اتخاذ قرار نهائي، لكون بناء مترو الأنفاق لمدينة كمراكش يتطلب عدة دراسات جيولوجية ضرورية لضمان نجاح المشروع وسلامته البنية الجيولوجية لمراكش، فبفعل انتمائها لصفحات تنتمي للأطلس الكبير والصغير يعطيها خاصية في قدرة التربة والبنية الصخرية الجرانيتية على تحمل الضغط مع ان هذا لا يعفي من القيام بدراسة الهياكل الجيولوجية وتقييم المخاطر الزلزالية ودراسة استقرار الطبقات، هذا بالإضافة إلى تقييم التأثير البيئي بدراسة تأثير المشروع على البيئة المحلية وكذا التنوع البيولوجي بتحديد مستوى المياه الجوفية وقياس عمقها والتأثير المباشر على بعض خصائص المنطقة والختارات والعيون
إن اختيار أي وسيلة نقل لابد أن تمر بدراسات ضرورية لضمان سلامة المشروع واستدامته بمقاربة تشاركية حتى تقتنع الساكنة بالمشروع وتتبناه، وذلك بالتعاون مع خبراء ومهندسين مختصين لضمان التخطيط السليم والتنفيذ الفعال.
أما بالسبة لمصادر التمويل لمترو الأنفاق يمكن للحكومة المحلية أو الوطنية أن تلجا إما لتمويل المشروع من الميزانية العامة أو من خلال ميزانية خاصة الشراكات العامة للهيئة، أو إنشاء شراكات تنمية محلية مع شركات استثمارية خاصة في المشروع، مما يؤدي إلى خفض الأرصدة المالية في الحكومةـ ويمكن أن تطلب الحصول على قروض أو فوائد من المنظمات مثل البنك الدولي أو البنك الأفريقي للتنمية او إمكانية فرض رسوم الاستخدام.
#هل اختيار المشاريع الأقل كلفة يعفينا من أزمات تنعكس على جودة حياتنا؟
#ام أن اختيار تجهيزات الخردة عفا عنها الزمن لحلول ظرفية؟