توقيع: د. ع العزيز ابايا
متابعة محمد لمريخي
على سبيل الاستهلال:
أصدر الإعلامي والأستاذ الباحث “أنس الملحوني” مؤلفَه الأخير الموسوم ب: ” احميدة الباهري … رحلة نغم – فارس من ذاكرة الأغنية الغيوانية – سيرة فنية 1972 – 2016 “، وهو كتاب يوثق لمسار واحد من رموز الأغنية المجموعاتية “الغيوانية”، ومن خلاله توثيق لفن الظاهرة الغيوانية، على اعتبار أن “احميدة الباهري” أحد نجومها، وله العديد من الإسهامات الإبداعية في مسارها. حفل توقيع الكتاب احتضنته قاعة ندوات مدينة اللغات والثقافات برحاب كلية اللغة العربية، في سياق تنظيم جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد لفعاليات النسخة التاسعة للمهرجان الوطني لفن الملحون والأغنية الوطنية، والذي يعتبر من المحطات المهمة في المشهد الفني والثقافي بالمدينة الحمراء خصوصا في شقه المتعلق بفن الملحون باعتباره فنّا يحمل تاريخا غنيا بالألحان والأشعار والأعلام، ويعتبر بحق مظهرا من مظاهر الحضارة المغربية الأصيلة.
بحضور ثلة من الكتاب، والمؤلفين، والمثقفين، والباحثين المهتمين بالفن الغيواني من مختلف أنحاء المملكة، تناول هذا المؤلَّف القيم بالدراسة والتحليل الدكتور عبد العزيز أبايا، متوقفا عند الكثير من المضامين، مبرزا أهميتها التوثيقية ومثمنا المجهود المحمود الذي بذله الأستاذ أنس الملحوني على مستوى جمع مادته الفنية وتحليلها وتبويبها، والمنهج المعتمد الذي اتبعه حتى وضع بين أيدينا هذا العمل الذي نتمناه لبنة علمية رصينة تضاف إلى الكتابات التي واكبت الظاهرة بالكثير من العناية.
لعشاق ظاهرة المجموعات الغيوانية، إليكم قراءنا الأوفياء هذا الكتاب الجديد الذي يوثق لسيرة الفنان الموهوب احميدة الباهري. أكثر من أربعين سنة من النضال الفني من فكرة مجموعة “طيور الغربة” إلى مشروع “أوركسترا احميدة الباهري”، مرورا بتأسيس مجموعة “لمشاهب”، وفكرة مجموعة “لجواد”، ومجموعة “ابنات الغيوان، والكثير من الأفكار الفنية التي تقف عندها هاته السيرة التي لا نشك في كونها قيمة مضافة في عالم الكتابة لرواد الظاهرة الغيوانية. بالمناسبة، كتاب “احميدة الباهري … رحلة نغم – فارس من ذاكرة الأغنية الغيوانية – سيرة فنية 1972 – 2016 ” هو من القطع المتوسط، جاء في 288 صفحة، وقد عملت المطبعة الوطنية بمراكش على إخراجه، وتفضل الدكتور محمد الكنيديري، رئيس جمعية الأطلس الكبير بطبعه، مساهمة منه في تثمين فكرة التوثيق لأعلام مدينة مراكش.
سفر ممتع نتمناه للقارئ الكريم وهو بين يدي هاته القراءة النقدية التي تفضل بها الدكتور عبد العزيز ابايا، متجولا في فترة زمنية قاربت الخمسين سنة من العطاء والبذل والإبداع بمعية سيرة الفنان احميدة الباهري، ابن المدينة الحمراء، وأحد أعلام الظاهرة الغيوانية.
الجزء الأول:
خلال تنظيم فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الملحون والأغنية الوطنية المنظم في الفترة الممتدة من 22 إلى 26 أكتوبر 2024، صدر للأستاذ الباحث أنس الملحوني كتاب يوثق لسيرة الفنان المبدع أحمد الباهري – احميدة، وقد جاء الكتاب موسوما ب: “احميدة الباهري … رحلة نغم” فارس من ذاكرة الأغنية الغيوانية – سيرة فنية 1972 – 2016 ، الكتاب من القطع المتوسط، جاء في 288 صفحة، وقد عملت المطبعة الوطنية بمراكش على إخراجه، وتفضل الدكتور محمد الكنيديري، رئيس جمعية الأطلس الكبير بطبعه، مساهمة منه في تثمين فكرة التوثيق لأعلام مدينة مراكش.
الأستاذ الدكتور عبد العزيز ابايا يقدم قراءة في هذا الكتاب جاءت كما يلي:
في المقدمة
قيل قديما: “من ورخ لمؤمن فكأنما أحياه”، هذه العبارة التي رقاها غير واحد من المحدثين إلى مرتبة الأثر النبوي، تتضمن معنى عميقا يتجاوز مجرد سرد نمطي لأحداث عاشها رجل أو امرأة في حقبة تاريخية معينة، بل إلى التنبيه على تراث غني متراكم عبر التاريخ شكلته أيادي رجال في مختلف المجالات لتبني وطنا وهوية أصيلة سارت مسير التقديس.
إن التعريف بالرجال وبالشخصيات وإبراز تراثهم، هو في الحقيقة تعرف بشكل جزئي على مجتمع وهوية ومقدسات هي سمات صميمة للوطن بكل تفاصيله، ومن هنا أمكن القول إن التعرف على الشخصيات هو من صميم التعرف على الوطن، ومن هذا المنطلق بالذات تنبعث فكرة هذا الكتاب الذي ألفه الأستاذ والإعلامي الفذ أنس الملحوني، متناولا شخصية الفنان المتعدد أحمد الباهري ذي المهارات الفنية المتنوعة والذي كانت بصماته خفية في العديد من البرامج الفنية التي كنا نتابعها منذ الصغر، فهو عازف متقن على العديد من الآلات الوترية، مثل البانجو والقيثارة، والمندولين، والعود، والبزق، كما أن في مساره الفني أكثر من أربعين عملا غنائيا، ومشاركة في إنتاج موسيقى ثلاثة سيتكومات، والعديد من الوصلات الإشهارية، وموسيقى لبعض الأفلام السينمائية.
وعلى الرغم من مواهبه الفنية المتعددة، ومشاركته الفعالة في إنشاء العديد من الفرق الغنائية في إطار ما بات يسمى بالظاهرة الغيوانية، فقد لاحظ الأستاذ أنس الملحوني أن “كل إصدارات الرجل لم تُوثق، ولم يعمل – حاليا – على مشاركتها على نطاق واسع مع جمهور المولعين والشباب الذي لازال يعض بالنواجذ على فلسفة هذه المجموعات الغنائية”. وإلى جانب المشاركة والإشعاع الفني، لاحظ الباحث أنس الملحوني أيضا أن الكتابة والتوثيق عن هذه الشخصية منعدمة تماما، وهو ما أثار استغرابه وتأسفه في آن واحد.
وكعادته في جملة أعماله التوثيقية، يتحرى الأستاذ أنس الملحوني موقع الاقتراب التام من موضوعه، ويحدد بدقة الأسئلة التي يشتغل عليها، ويتقصى مناطات التناول فيها، فجاء هذا المؤَلف التوثيقي العالي الدقة عن شخصية مبدعة تستحق الاهتمام؛ ولعل دقة الموضوع، ومصداقية المعلومات المعلنة فيه، زيادة على جِدته، كانت من أهم سمات الكتابة لدى الباحث الملحوني في هذا المؤلف.
وإذا كانت المقدمة كعتبة بنائية تنشد التعريف بالموضوع المراد التطرق إليه، وأهمية البحث العلمي فيه، وعن الأسباب الموضوعية الدافعة إلى اختيار الموضوع، فإن المؤلِّف آثر – عن طواعية – وضع عتبة ذاتية يمتزج فيها الوجدان بعلاقة الصداقة التي تجتمع المؤلِّف والمؤلَّف له، ومن هنا ابتدأت المقدمة بتبيان العلاقة التي تجمع بين المؤلِّف والفنان أحمد الباهري منذ عشرينيات هذا القرن من خلال حفل فني أبهر فيه “احميدة” متابعيه بحسن أدائه على آلة البانجو، وبتعدد الأدوار الفنية التي أداها ونسقها، وما لبثت هذه العلاقة أن تطورت بعد استضافة الأستاذ أنس الملحوني للمترجَم له في مجموعة من البرامج الإذاعية ابتداء ببرنامج “نَادِي الفُنُون” في الفترة الممتدة بين عامي 2016 – 2017، مرورا بـ “لَمَّة لَحْبَابْ”، وانتهاء بالبرنامج المتميز: “نَبشٌ فِي الذَّاكِرَة” المذاع سنة 2019؛ ومما عمق العلاقة بين الأستاذين الملحوني والباهري، تلك الجلسات الخاصة التي جمعتهما لملء بعض البياضات التوثيقية ليس فقط في حياة الفنان الباهري، لكن أيضا في مسيرة ومآلات عدد من الظواهر التي كانت رائجة في الساحة الثقافية والفنية في مغرب السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، وهو ما كان يعطي لتلك الجلسات قيمتها العلمية والتوثيقية. إن تنوع اللقاءات بمعية المحتفى به أتاحت للمؤلف الاحتكاك أكثر بشخصية المتَرجم له، ومن خلال ذلك الإجابة على عدد من التساؤلات والمغالطات التي كانت رائجة في سماء الفن في فترة معينة، ولعل منهج المجالسة والتثبت من الحوادث والآراء من بين ما يتميز به المؤلف أنس الملحوني، وقد لاحظت ذلك من خلال طريقة جمعه للمعلومات سواء في برامجه الإذاعية، أو من خلال مشاركاته البحثية المتعددة.
حرص أنس الملحوني على التنصيص على غزارة أعمال الأستاذ أحمد الباهري وتنوعها، وهو بذلك يحيل من طرف خفي إلى إحدى أركان الخطاب المقدماتي وهو الإشارة إلى أهمية البحث العلمي للموضوع، والأمر يتعلق هنا بعمل تأسيسي حول شخصية لم يتم التطرق إليها وإلى أعمالها من قبل، ومن هنا أهمية العمل التوثيقي المنجز. من جهة أخرى، نسجل بشكل إيجابي وضع المحتفى به في هذا المؤَلَّف ضمن مجراه الصحيح، حيث تبلورت أغلب أعماله الفنية في سياق ما عُرف ب: “الظاهرة الغيوانية”.