– تقريرا خنيفرة .. محمد المالكي.
في زمن كانت فيه الساحات والأسواق الأسبوعية مسارح مفتوحة ، وكان الجمهور يتجمع حول الحلقة بحثا عن الفرجة والحكاية والضحكة ، برز اسم فني استثنائي من قلب الأطلس المتوسط… إنه الفنان والفكاهي والشاعر الأمازيغي لحسن أزايي ، أحد الوجوه التي ارتبط اسمها بفن الحلقة وبالفرجة الشعبية الأصيلة.
لم يكن لحسن أزايي فنانا عاديا ؛ فقد كان يحمل فنه إلى الجمهور أينما كان ، متنقلا بين الأسواق والقرى والمداشر ، مستلهما مواضيعه من الحياة اليومية ومن قضايا المجتمع ، مقدما الفكاهة والحكاية والشعر الأمازيغي في قالب بسيط وقريب من الناس .
وتشير مصادر صحفية ودراسات حول التراث الأمازيغي إلى أن عروضه كانت جزءا مهما من تقاليد فن الحلقة بالأطلس المتوسط .
ولد لحسن أزايي سنة 1948 ، وبدأ مساره الفني بالعزف على الناي ، قبل أن ينتقل إلى البندير ويشق طريقه في عالم الحلقة والفكاهة الشعبية . واشتهر بلقب “باقشيش”، وتميز بقدرته على تقليد الأصوات وسرعة البديهة والتفاعل المباشر مع الجمهور .
وكانت الحلقة بالنسبة إليه أكثر من مجرد عرض فني ؛ كانت فضاء للتعبير عن المجتمع . فقد تناول في فقراته قضايا اجتماعية مختلفة ، من العلاقات الأسرية إلى الرشوة والزبونية والخيانة الزوجية والموت ، مستعينا بالسخرية والحكاية والشعر لإيصال رسائل إلى جمهوره .
واللافت في تجربة أزايي أن شهرته لم تكن مرتبطة بمنصة فاخرة أو بإنتاج تلفزيوني ضخم ، بل كانت قوته في المواجهة المباشرة مع الجمهور . كان يصل إلى الناس في أسواقهم ومناطقهم ، ويصنع الفرجة بإمكانات بسيطة ، في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي ولا المنصات الرقمية موجودة .
كما ارتبط اسمه بالإذاعة الأمازيغية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي ، بينما ظل حضوره التلفزيوني محدودا ، وهو ما جعل جزءا كبيرا من إنتاجه الفني رهينا بذاكرة الذين عاصروه وبأشرطة الكاسيط التي أصبحت اليوم مهددة بالضياع .
وفي سنة 1999 ، انتهت رحلة الفنان بشكل مأساوي إثر حادثة سير على الطريق الرابطة بين مكناس ومريرت ، وفق المعطيات المنشورة في مصادر صحفية تناولت سيرته. رحل الرجل ، لكن صوته وشخصيته وأسلوبه في الفكاهة والحلقة ظلوا حاضرين في ذاكرة محبيه .
واليوم ، وبعد مرور سنوات على رحيله ، تعود مقاطع من أعماله إلى الواجهة عبر المنصات الرقمية ، ليكتشف جيل جديد فنانا صنع الفرجة قبل عصر ، ونجح في الوصول إلى قلوب الناس دون مؤثرات ولا حملات ترويجية .
لحسن أزايي ليس مجرد اسم من الماضي… بل جزء من الذاكرة الفنية للأطلس المتوسط.
إن إعادة جمع أعماله ، ورقمنة أشرطة الكاسيط القديمة ، وتوثيق شهادات من عاصروه ، وتعريف الأجيال الجديدة بتجربته ، ليست مجرد مبادرة فنية ، بل هي مسؤولية ثقافية لحماية جزء من التراث الشفوي الأمازيغي من الاندثار .
رحل لحسن أزايي ، لكن الحلقة لم تنتهِ…
فكلما عاد صوته من أرشيف الزمن ، عادت معه صورة الأسواق القديمة ، ووجوه البسطاء ، وضحكات الناس ، وذاكرة الأطلس المتوسط .
لحسن أزايي… فنان من رحم الشعب ، رحل جسدا وبقي صوته محفورا في الذاكرة .