129 صوتا عن المقعد و8005 ورقة ملغاة … ماذا تكشف أرقام سباق إفران؟
مقال رأي – أبو سعد
في انتخابات إفران، لا تكمن القصة كلها في أسماء الفائزين، ولا في عدد المقاعد المحسومة، بل ربما في الأرقام التي بقيت خلف النتيجة. 8,005 أوراق ملغاة، و49,505 مسجلين لم يصلوا إلى صناديق الاقتراع، و19 لائحة دخلت غمار المنافسة على مقعدين، ثم فارق لا يتجاوز 129 صوتا حسم موقع المقعد الثاني. أرقام تبدو متفرقة للوهلة الأولى، لكنها حين توضع جنبا إلى جنب ترسم صورة أكثر تعقيدا للمشهد الانتخابي، وتدفع إلى إعادة قراءة ما جرى في إفران بعيدا عن الاختزال المعتاد في ثنائية الفائز والخاسر.
لم تكن نتيجة الحسن الحروني، وكيل لائحة حزب الاستقلال بإقليم إفران، مجرد رقم عابر في سباق انتخابي انتهى بإعلان النتائج، بل جاءت في سياق اتسم بتعدد المتنافسين وقوة التنافس على مقعدين، بمشاركة 19 لائحة انتخابية. فقد حصل الحروني على 6,858 صوتا، مقابل 6,987 صوتا لصاحب المقعد الثاني، بفارق لا يتجاوز 129 صوتا، وهو ما يجعل النتيجة أقرب إلى منافسة حسمت بفارق ضئيل، وليس بفارق انتخابي كبير.
وتزداد دلالة هذه النتيجة عند وضعها في سياق الأرقام العامة للاقتراع. فمن أصل 89,089 ناخبة وناخبا مسجلا، أدلى 39,584 بأصواتهم، بنسبة مشاركة بلغت 44.43%، فيما بلغ عدد الأوراق الملغاة 8,005، أي ما يعادل 20.22% من مجموع المصوتين. أما الأصوات المعبر عنها فبلغت 31,579 صوتا، وهي الكتلة التي احتسبت على أساسها النتائج النهائية.
وفي ظل مشاركة 19 لائحة في التنافس على مقعدين، فإن الفارق المحدود بين المرتبتين الثانية والثالثة يكتسب دلالة خاصة في قراءة المشهد الانتخابي بإقليم إفران. فالنتيجة لا تعكس فقط ترتيب المرشحين، وإنما تكشف أيضا عن منافسة متقاربة وتوزع الأصوات بين عدد كبير من الاختيارات الانتخابية.
ومن هنا، فإن قراءة نتيجة الحسن الحروني تستدعي تجاوز النظرة التي تختزل الانتخابات في ثنائية “فائز وخاسر”، والانتقال إلى تحليل أكثر عمقا للأرقام: من شارك، ومن لم يشارك، وحجم الأوراق الملغاة، وكيف توزعت الأصوات الصحيحة، وكيف أمكن لفارق محدود أن يفصل بين الحصول على المقعد وعدم الحصول عليه.
الحسن الحروني خاض هذه الانتخابات بحملة اختار لها، بحسب ما قدمته حملته، عنوانا يقوم على التواصل المباشر والحضور الميداني والإنصات للساكنة والعمل المنظم. وشمل هذا الحضور مدينتي أزرو وإفران وعددا من الجماعات القروية، مع التركيز على التواصل مع الناخبين وتقديم المسار والخطاب والبرنامج الانتخابي.
وفي المقابل، اتسمت المنافسة بتعدد الوسائل والأساليب والخطابات، وسط نقاش واسع قبل وخلال فترة الحملة حول المال والهدايا والوعود والخدمات واستثمار بعض المطالب الاجتماعية والانتظارات المحلية في سياق التنافس الانتخابي.
وبصرف النظر عن الاتهامات التي تحتاج، حتى تتحول إلى وقائع ثابتة، إلى أدلة ومحاضر وقرارات صادرة عن الجهات المختصة، فإن حضور هذه النقاشات في المشهد الانتخابي يظل جزءا من السياق الذي رافق الاستحقاق.
ومن بين المعطيات التي تستحق قراءة متأنية ارتفاع عدد الأوراق الملغاة إلى 8,005، أي ما يقارب خمس مجموع المصوتين بنسبة 20.22%. ويكتسي هذا الرقم أهمية خاصة في ظل تقارب النتائج بين بعض اللوائح، إذ يطرح سؤالا مشروعا حول أسباب الإلغاء وطبيعة الحالات التي أدت إلى عدم احتساب هذه الأوراق.
وفي حالة الحسن الحروني تحديدا، فإن أي حديث عن وجود أوراق تضمنت اختيارات لفائدة لائحته ينبغي أن يستند إلى محاضر مكاتب التصويت والفرز، لا إلى الانطباعات أو النقاشات المتداولة. فإذا أظهرت المحاضر الرسمية وجود أوراق ملغاة تضمنت اختيارات واضحة، فإن ذلك سيكون معطى جديرا بالتحليل لفهم أسباب الإلغاء وتأثيرها المحتمل على قراءة النتائج، دون افتراض مسبق بأنها كانت ستغير النتيجة،أما الفارق بين الحروني وصاحب المقعد الثاني، فيبقى من أبرز الأرقام التي تستوقف في هذه الانتخابات. فالفارق المحدود، في منافسة ضمت 19 لائحة على مقعدين، يجعل من الصعب اختزال تجرة المرشح في مجرد ترتيب نهائي.
فالقراءة الموضوعية للنتائج تمتد إلى حجم الأصوات المحصل عليها، ونسبة المشاركة، والأوراق الملغاة، وتوزيع الأصوات، فضلا عن طبيعة الحملات الانتخابية والحضور الميداني للمرشحين.
لقد اختار الحروني خوض السباق بمنطق التواصل والحضور الميداني، في مواجهة منافسة متعددة الأطراف وخطابات وإمكانات وأساليب مختلفة في مخاطبة الكتلة الناخبة. وفي النهاية، حسم الصندوق النتيجة وفق الأصوات المحتسبة رسميا،لكن الفارق المحدود يفتح، في الوقت نفسه، بابا واسعا للتحليل: ما طبيعة الأصوات التي لم تدخل في الاحتساب؟ وما أسباب ارتفاع نسبة الأوراق الملغاة؟ وما حجم تأثير ضعف المشاركة على الخريطة النهائية للنتائج؟ وهل كان توزيع الأصوات سيبدو مختلفا لو ارتفعت نسبة المشاركة؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها الانطباعات ولا مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما محاضر التصويت والفرز والأرقام الرسمية.
ومع ذلك، فإن قراءة النتيجة الانتخابية للحسن الحروني تظل جديرة بالاهتمام بالنظر إلى حجم الأصوات التي حصل عليها في سياق تنافسي ضم 19 لائحة، وبالنظر إلى التقارب الكبير في مقدمة الترتيب. وهي معطيات تجعل النتيجة قابلة للقراءة من زوايا متعددة، تتجاوز مجرد إعلان أسماء من حصلوا على المقاعد.
قد تكون صناديق الاقتراع قد أغلقت، وقد أعلنت النتائج، لكن 129 صوتا، إلى جانب 8,005 أوراق ملغاة، و49,505 مسجلين لم يشاركوا في التصويت، و19 لائحة متنافسة، تشكل مجتمعة مفاتيح لقراءة المشهد الانتخابي بإفران.
فالنتائج تعلن من حصل على المقعد، أما الأرقام فتروي تفاصيل أوسع عن الطريق الذي أوصل إلى تلك النتيجة، وعن طبيعة المنافسة، وحجم المشاركة، وحدود الفارق الذي حسم الترتيب النهائي.
فالنتائج تعلن من فاز بالمقعد، أما الأرقام فتروي أحيانا قصة أوسع بكثير.