من المحراب إلى المدرجات عندما تختطف رسالة المسجد باسم كرةالقدم
بقلم/ سيداتي بيدا
ليست المشكلة في كرة القدم، بل في اللحظة التي تتسلل فيها إلى فضاءات لم تُبنَ لها، فتزاحم رسائل أسمى وأعمق. وما أثاره مقطع متداول لإمام مسجد مغربي بألمانيا وهو يدعو المصلين إلى التوجه إلى مسجد بدر لمتابعة مباراة المغرب وفرنسا، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة عابرة، بل مؤشراً على اختلال مقلق في ترتيب الأولويات، وانزياحاً خطيراً في وظيفة المنبر.
فالمسجد لم يكن يوماً صالة عرض، ولا مدرجاً رياضياً، ولا فضاءً للتعبئة الكروية. إنه بيت الله، ومنارة للهداية، ومؤسسة لتربية الضمير وصناعة الإنسان. أما الإمام، فهو مؤتمن على رسالة عظيمة، يحمل همّ إصلاح النفوس وترسيخ القيم، لا الترويج لحدث رياضي مهما بلغت شعبيته.
إن تحويل بيوت الله إلى منصات للترويج لمباريات كرة القدم يفتح باباً واسعاً أمام تمييع رسالة المسجد، ويمنح الثقافة الاستهلاكية فرصة للتغلغل حتى في أكثر المؤسسات قدسية. فحين يتراجع الحديث عن الأخلاق والعلم والعمل لصالح الدعوة إلى متابعة مباراة، يصبح من حق المجتمع أن يسأل: إلى أين تمضي البوصلة؟
وليس المقصود هنا إعلان الحرب على الرياضة، فهي نشاط إنساني راقٍ يحمل قيماً نبيلة عندما يبقى في إطاره الطبيعي. لكن ما يستوجب التوقف هو هذا التضخم غير المسبوق في مكانة كرة القدم، حتى غدت عند كثيرين معياراً للنجاح، ومصدراً للهوية، ووسيلة لصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية.
في عالم يرزح تحت أزمات اقتصادية وتعليمية وصحية خانقة، تُنفق المليارات على انتقال لاعب، بينما تعجز مدارس عن توفير الحد الأدنى من شروط التعلم، وتكافح مستشفيات لإنقاذ المرضى بإمكانات هزيلة، ويهاجر العلماء والباحثون لأن أوطانهم لم تجد في عقولهم ما يستحق الاستثمار.
إن قوة الأمم لا تُقاس بعدد الكؤوس التي ترفعها، بل بعدد العقول التي تُخرّجها، ولا بعدد الجماهير التي تهتف في الملاعب، بل بعدد المختبرات التي تنتج المعرفة، والجامعات التي تصنع المستقبل، والمؤسسات التي تحمي الإنسان وكرامته.
لقد آن الأوان لإعادة الأمور إلى نصابها. فالمسجد يجب أن يبقى منارة للعبادة والوعي، والإمام ينبغي أن يظل صوتاً للحكمة والإصلاح، لا مذيعاً لجدول المباريات. أما كرة القدم، فلتبقَ رياضة تُمارس وتُشاهد في فضائها الطبيعي، دون أن تتحول إلى دينٍ جديد، أو إلى أداة تعيد تشكيل أولويات المجتمعات على حساب العلم، والقيم، والتنمية.
إن الأمم التي تخلط بين المنبر والمدرج، تخاطر بأن تخسر الاثنين معاً.