الدراسات العليا حين تتحول الجامعة إلى مصنعٍ للألقاب

0 1

بقلم/ سيداتي بيدا

في الزمن الجميل كانت الدراسات العليا بوابةً إلى المعرفة العميقة، ومختبراً لصناعة العقول القادرة على إنتاج الأفكار لا استهلاكها. أما اليوم، ففي بعض المؤسسات التي ما زالت تصر على تسمية نفسها جامعات، تحولت الرحلة العلمية إلى عرض مسرحي طويل، يتقن فيه الجميع أداء الأدوار بينما يغيب العلم عن الخشبة.
يدخل الطالب حاملاً مشروعاً فكرياً، ويخرج حاملاً لقباً أكاديمياً. وبين البداية والنهاية تدور فصول مسرحية عبثية عنوانها الكبير: “النجاح دون معرفة، والتخرج دون تعلم”.
الأستاذ يؤدي دور الخبير الذي يملك مفاتيح الحكمة، والطالب يؤدي دور الباحث الشغوف، والإدارة تؤدي دور الحارس الأمين على الجودة. أما الحقيقة فتجلس في آخر القاعة صامتة، تراقب المشهد وهي تدرك أن أحداً لم يعد مهتماً بها.
في هذا العالم الغريب، لا يُكافأ السؤال بقدر ما يُكافأ الصمت. الفضول العلمي يتحول إلى تهمة، والنقد الأكاديمي إلى سوء سلوك، بينما يصبح التملق لغةً رسمية غير مكتوبة يتقنها البعض أكثر مما يتقنون مناهج البحث العلمي.
الأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأطروحات تشبه قصص إعادة التدوير أكثر مما تشبه الإنتاج العلمي. نصوص منقولة، أفكار مستهلكة، ومراجع لا يقرأها أصحابها إلا على أغلفة الملفات. ومع ذلك تُعقد جلسات المناقشة في أجواء احتفالية توحي بأن البشرية على وشك استقبال مكتشف جديد يغير مسار التاريخ.
لكن المشكلة لا تكمن في طالب ضعيف أو أستاذ متهاون فقط، بل في منظومة أتقنت صناعة الوهم. منظومة تمنح الأولوية للعلاقات بدل الكفاءات، وللشكليات بدل الجوهر، وللأرقام والإحصاءات بدل القيمة العلمية الحقيقية. وهكذا يستمر إنتاج أجيال تحمل الشهادات أكثر مما تحمل المعرفة.
والمفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يتخرجون من هذه المنظومة يجدون أنفسهم لاحقاً في مواقع القرار والتأثير. هناك يصبح العجز الأكاديمي مشكلة عامة لا قضية جامعية خاصة. فحين يُبنى التكوين على الحفظ والنسخ والمجاملة، يصبح من الطبيعي أن تُدار المؤسسات بالعقلية نفسها.
إن الجامعة التي تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة تتحول تدريجياً إلى مصنع للألقاب، واللقب حين ينفصل عن الكفاءة لا يعود وساماً، بل يصبح مجرد زينة لغوية تسبق الاسم.
لهذا لم يعد الإصلاح خياراً تجميلياً، بل ضرورة ملحة. فالجامعة لا تحتاج مزيداً من الاحتفالات والخطب الرنانة، بل تحتاج شجاعة مواجهة الحقيقة: أن بعض ما يُقدم اليوم باسم الدراسات العليا ليس تعليماً متقدماً، بل نسخة أكاديمية أنيقة من إعادة تدوير الرداءة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.