التنافس الانتخابي بين الموضوعية والإقناع

0 45

نجيب اندلسي

في خضم النقاش العمومي حول الاستحقاقات المقبلة، تعود نفس الأسئلة لتطفو على السطح: من يحكم؟ وبأي مشروعية؟ وبأي حصيلة؟ الحديث عن إمكانية تصدر شخصيات معينة للمشهد، لا يمكن أن يختزل في الانطباعات أو المواقف المسبقة، بل يجب أن يبنى على معيار واضح: المحاسبة السياسية.

اليوم، لم يعد مقبولا أن يطرح اسم لقيادة الحكومة دون تقييم موضوعي لتجربته في التدبير، قدرته على الإقناع، وحضوره السياسي الفعلي. فالمسؤولية الحكومية ليست مجرد موقع، بل هي تعاقد مع المواطنين مبني على الثقة والنتائج. لذلك، السؤال المشروع ليس “من سيقود؟” بل “بأي رصيد سيقود؟”.

أما الربط بين صعود بعض الأسماء وبين العزوف الانتخابي، فهو طرح يحمل جزء من الواقعية، لأن ضعف المشاركة يفتح المجال أمام إعادة إنتاج نفس النخب أو صعود قوى تعتمد على شبكات النفوذ بدل التنافس البرامجـي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يصبح المال أو التأثير غير المشروع عاملا حاسما بدل الإرادة الشعبية.

في هذا السياق، الحديث عن “إغراق الدوائر بالمال” ليس اتهاما عابرا، بل إشكالا بنيويا يهدد مصداقية العملية الديمقراطية. وإذا لم تتم مواجهته بصرامة قانونية ووعي مجتمعي، فإننا سنظل ندور في نفس الحلقة: انتخابات بلا رهانات حقيقية، ومؤسسات بلا ثقة شعبية.

وبخصوص ما يتداول حول بعض الدوائر، مثل دائرة جليز، فإن منطق “توريث المواقع” أو الدفع بأسماء بديلة تحت غطاء قانوني يطرح بدوره سؤالا أخلاقيا وسياسيا: هل نحن أمام تنافس ديمقراطي أم إعادة توزيع للنفوذ داخل نفس الدوائر المغلقة؟

الخلاصة: نحن أمام مرحلة مفصلية تفرض الانتقال من منطق المتابعة السلبية إلى المحاسبة السياسية الفعلية.

المواطن اليوم ليس مجرد ناخب، بل فاعل يجب أن يسائل:

ما هي الحصيلة؟

ما هي الكفاءة؟

ما هو المشروع؟

لأن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع فقط، بل في وعي المواطنين وقدرتهم على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

رسالة واضحة: لن يكون هناك تغيير حقيقي ما لم تتحول الانتخابات من مجرد مناسبة دورية إلى لحظة حقيقية لتقييم الأداء ومحاسبة الفاعلين السياسيين، بعيدا عن المال والنفوذ والولاءات الضيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.