ليلة واحدة فقط….

0 417

 

عادل عزيزي

أفعلها كل شتاء، أختار ليلة باردة وماطرة، وأدعو الأولاد أن ننام في غرفة واحدة، نعيد ترتيب “فراش” الغرفة، اجعلهم يقتربون من بعضهم أكثر، ينامون على شكل سطور متلاصقة وأنا أختار مكانا فوق رؤوسهم جميعا حتى أكون مقسوما على الجميع، أطفئ الضوء العادي وأبقي على ضوء خافت، أترك شقا طفيفا في الشباك لتحدث الريح صفيرها المعتاد.. أمنع استخدام الهواتف في هذه الليلة.. ثم أبدأ بسرد ما أحفظ من القصص والحكايات القديمة.. وكلما زاد قذف المطر على الزجاج أسهبت في الحكاية وفي تفاصيلها وكأنني أشرك الطقس معي ليستمع مع باقي أفراد العائلة لأحداث الحكاية.. أحيانا أقوم بتقليدهم فردا فردا لأسمع قهقهات الصغار.. أحاول جاهدا أن أصنع لهم ليلة مختلفة، تبقى محفورة في روزنامة العمر، تماما كاستراحة وحيدة في طريق صحراوي طويل..
الأولاد مهما كبروا يبقوا أطفالا، مهما ادعوا النضوج والاستقلالية الا أنهم في حنين دائم إليك إلى صوتك وملامحك ووجودك، وأنت بأبويتك الصادقة، حاول أن تعيدهم إلى ذات الاحتياجات وذات الليالي القديمة وذات القصص، لا لشيء، لكن حتى لا تبعد المسافة بينك وبينهم أو تبعد فيما بينهم.. الغرف المنفصلة بردت العواطف، والهواتف الذكية عزلتنا عن أحاسيسنا تجاه بعضنا، صار في البيت عوالم مختلفة في أمتار مربعة صغيرة، أجساد متقاربة واهتمامات وأرواح متنافرة و”بيون المنزل” أصبحت مجرد “غرف في فندق”، ملتقى قصير للصاعدين والنازلين والمغادرين والقادمين يلتقطون فيها أنفاسهم ثم يذهب كل إلى وجهته..
مرت بي أحداث كثيرة ونسيتها، وأيام كثيرة ونسيتها، نجاحات واخفاقات ونسيت تفاصيلها، لكنني ما زلت أذكر ليالي الشتاء الماطرة، وأذكر مكاني بين “الفرش”، والرسمات الطفولية على لحافي، وأماكن شقيقاتي أشقائي واحدا واحدا، وأذكر مكان “اللامبة” وأماكن مونة الشتاء، و”الخابية” التي تتلقى مطر السقف البطيء، أذكر الحكايات والضحكات، وصوت المزاريب، واهتزاز الشباك الشمالي، ورائحة دخان “الكانون”..
نسيت في العمر خصومات كثيرة وأوجاع كثيرة وانجازات كثيرة.. لكني لا أنسى غرفة من حجر وطين جمعتنا كلنا بمعجزة الأم والأب تحت سقفها ذات ليلة.. قبل أن تهب علينا ريح الكهولة..
أيها الآباء..
أفعلوا مثلي ليلة واحدة فقط ستزين العمر..
أزيلوا الحواجز..
وجسروا الأرواح..
كونوا بين أبنائكم..
صدقوني من هنا تصنع المحبة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.