خيوط النصب تتفكك بخنيفرة: شركة وهمية ومنصة رقمية أسقطتا ضحايا بوهم الربح السريع.
تقرير فلاش 24 .. محمد المالكي خنيفرة .
لم يكن المحل الكائن بحي تمومنت بمدينة خنيفرة يثير أي شبهة للوهلة الأولى. واجهة تحمل اسم شركة أمريكية، نشاط يبدو قانونيا، وحركة عادية توحي بمشروع استثماري حديث. غير أن هذه الصورة سرعان ما بدأت تتصدع، بعد توالي شكايات مواطنين تحدثوا عن خسائر مالية غامضة، لتفتح بذلك أولى خيوط ملف نصب واحتيال بات حديث الرأي العام المحلي.
مصادر مطلعة أفادت أن المركز الترابي للدرك الملكي بأجلموس باشر، خلال الأسابيع الماضية، تحريات دقيقة بناء على معطيات ميدانية وشكايات رسمية. هذه الأبحاث توجت ليلة أمس بعملية مداهمة سرية للمحل المعني، أسفرت عن توقيف ستة أشخاص، من بينهم سيدتان، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الجارية بخصوص طبيعة الأدوار التي كان يضطلع بها كل واحد منهم.
وبحسب نفس المصادر، فإن عناصر الدرك حجزت وثائق ومعدات يشتبه في ارتباطها بأنشطة غير قانونية، فيما لا تزال الخبرة التقنية جارية لتحديد طبيعة المحجوزات، واحتمال وجود امتدادات أخرى داخل أو خارج إقليم خنيفرة.
إلى حدود الساعة، تقدم تسعة أشخاص بشكايات رسمية لدى الجهات المختصة، مؤكدين تعرضهم للنصب بعد إقناعهم بالانخراط في مشروع قدم لهم على أنه فرصة استثمارية مربحة، مع وعود بعوائد سريعة ومضمونة.
وتشير إفادات بعض الضحايا إلى أن أسلوب الإقناع اعتمد على لغة “النجاح السريع” و”الاستثمار الآمن”، مدعوما بواجهة شركة تحمل اسما أجنبيا، ما ساهم في كسب الثقة ودفعهم إلى تحويل مبالغ مالية متفاوتة.
التحقيق في هذه القضية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لانتشار منصات رقمية مشبوهة، أبرزها منصة تحمل اسم “SMG”، التي انهارت نهاية سنة 2025، مخلفة مئات الضحايا عبر التراب الوطني.
المنصة روجت لنفسها باعتبارها فرصة “عمل رقمي بسيط”، بعوائد يومية مقابل مهام شكلية، في نموذج مطابق لعمليات النصب الهرمي (بونزي)، حيث يتم ضخ أرباح القدامى من أموال المنخرطين الجدد، إلى أن يتوقف التدفق وينهار النظام بالكامل.
الأخطر في تجربة “SMG” هو اعتمادها على نظام الإحالات، الذي حول المشتركين أنفسهم إلى وسطاء استقطاب داخل محيطهم الاجتماعي، مقابل عمولات إضافية. هكذا انتقلت المنصة من العالم الافتراضي إلى الأحياء والعائلات، مستغلة منسوب الثقة والعلاقات الشخصية.
كما لجأ القائمون عليها إلى فتح مكاتب فعلية وتنظيم لقاءات دعائية، في محاولة لإضفاء طابع قانوني على نشاط غير مرخص، وهي خطوة غير معتادة في هذا النوع من الجرائم الرقمية، لكنها كانت كافية لإسقاط مزيد من الضحايا.
مع بداية تعثر الأداء المالي للمنصة، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر، قبل أن تختفي “SMG” بشكل كامل: إغلاق المواقع، حذف مجموعات التواصل، واختفاء المسيرين. بالتوازي، عمد بعض المروجين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى حذف محتوياتهم الدعائية، في محاولة واضحة لقطع الصلة بالملف.
غير أن محاولات طمس الآثار لم تمنع الضحايا من تجميع أدلة مالية، من تحويلات بنكية وإيصالات تشير إلى حسابات داخل بنوك مغربية، ما فتح مسارا جديدا للتحقيق في تتبع الأموال وتحديد المسؤوليات.
قانونيون أكدوا أن الأفعال المرتبطة بهذه القضايا قد تكيف ضمن جرائم النصب والاحتيال وتكوين شبكة إجرامية، وهي جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي بعقوبات حبسية مشددة، خاصة إذا ثبت استعمال وسائل تضليل ممنهجة وتنظيم محكم.
وفي هذا السياق، يشدد مختصون على ضرورة الإسراع بوضع شكايات رسمية، مع إرفاقها بكل المعطيات الرقمية والمالية، قبل ضياع الأدلة التقنية التي تعد عنصرا حاسما في مثل هذه القضايا.
التحرك السريع للأجهزة الأمنية بإقليم خنيفرة يعكس يقظة متزايدة تجاه الجرائم المالية والرقمية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن واجهات الشركات الأجنبية والمنصات الرقمية لن تشكل غطاء للإفلات من المساءلة.
ويبقى هذا الملف مفتوحا على تطورات جديدة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الجارية، وسط مطالب متزايدة بتكثيف التوعية بخطورة وهم الربح السريع، في زمن بات فيه الاحتيال أكثر احترافا، وأشد فتكا بالثقة المجتمعية.