في حضرة الفكر والثقافة: خنيفرة تحتضن ندوة وطنية حول “الشباب والسؤال الثقافي في مغرب اليوم” .
– تقرير خنيفرة : محمد المالكي.
في أجواء تفيض بالفكر والنقاش البناء، وضمن احتفالاتها بالذكرى الخمسين لتأسيسها، احتضنت مدينة خنيفرة، يوم الجمعة 16 ماي 2025، ندوة فكرية متميزة تحت عنوان: “الشباب والسؤال الثقافي في مغرب اليوم”، نظمها فرع جمعية الشعلة للتربية والثقافة، وسط حضور وازن من الفاعلين الثقافيين، المثقفين، الطلبة، والنشطاء المدنيين.
افتُتِحت أشغال الندوة بكلمة افتتاحية مؤثرة للأستاذ إدريس شرقني، الذي استعرض مسار جمعية الشعلة منذ نشأتها سنة 1975، مشيدًا بدورها الحيوي في ترسيخ قيم التربية والتثقيف، ومواكبة قضايا الشباب المغربي طيلة خمسة عقود. كما أكد شرقني على أن الجمعية لا تكتفي بالاحتفال بذكرى مرور خمسين سنة، بل تعتبرها محطة تقييم ومساءلة واستشراف للمستقبل، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الشباب المغربي اليوم.
الندوة لم تكن مجرّد مناسبة للاحتفاء الرمزي، بل تحوّلت إلى ورشة نقدية مفتوحة، ناقشت بجرأة واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحًا في مغرب اليوم : السؤال الثقافي لدى الشباب. كيف يُفكِّر الشباب؟ ما هو موقع الثقافة في حياتهم اليومية؟ وهل تُمثّل الثقافة أداة للتحصين أم ساحة للتيه وسط فوضى الوسائط الرقمية؟
في هذا السياق، ألقى الناقد والقاص الحسين والمداني، المعروف أدبيًا بـ”حسام الدين نوالي”، مداخلة غنية ومكثفة، قدّم فيها تشخيصًا معمقًا لما أسماه “التحوّل السوسيو-ثقافي في وعي الشباب المغربي”، مبرزًا التأثيرات العميقة للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على طريقة بناء الذات والتفكير والتموقع في العالم.
من جانبها، أطلت الطالبة إكرام آيت ماما بورقة نقدية حملت عنوان “الشباب والحقوق الدستورية”، طرحت من خلالها تساؤلات جوهرية حول مدى تمتع الشباب المغربي بحقوقهم المنصوص عليها في الدستور، لا سيما الحق في الثقافة، والتعبير، والمشاركة السياسية. واعتبرت آيت ماما أن غياب السياسات العمومية الموجهة بشكل فعلي للشباب، يُفاقم من أزمة الثقة بينهم وبين السياسات العمومية للحكومة، ويدفعهم إلى الانكفاء والانزواء.
حيث سلّط يونس وهرار الضوء على أهمية انخراط الشباب في دينامية الحكامة المفتوحة، التي تقوم على مبادئ الشفافية، والمشاركة المواطِنة، والمساءلة، والحق في الوصول إلى المعلومة. وأكد في مداخلته أن بناء حكومات منفتحة ليس مسؤولية المؤسسات الرسمية فقط، بل يتطلب وعيًا مدنيًا فاعلًا لدى الشباب، باعتبارهم الشريحة الأكثر تضررًا من اختلالات التدبير، والأقدر على الدفع نحو الإصلاح عبر المبادرة والمساءلة والابتكار.
الندوة اختُتمت بمجموعة من التوصيات الهامة، التي دعت إلى ضرورة:
تعزيز الفعل الثقافي المحلي وتعميمه في مختلف مناطق المغرب.
إحداث فضاءات عمومية للشباب تُشجّع على الإبداع والنقاش.
تمكين الشباب من آليات التعبير والمشاركة السياسية والثقافية.
إعادة الاعتبار لدور المثقف في مواكبة قضايا الجيل الجديد.
إدماج الثقافة في صميم النموذج التنموي الوطني.
بعيدًا عن المركزية الثقافية المألوفة، أثبتت خنيفرة أنها ليست فقط مدينة نضال ومقاومة، بل كذلك مدينة فكر وثقافة. فالندوة جاءت لتؤكد أن التحولات تبدأ من الهامش، وأن أسئلة الجيل الجديد تُطرح بقوة من الأطراف، حيث يُراد للثقافة أن تظل خاملة، لكنها تنهض هنا بكل أناقتها الفكرية، وشرارتها التغييرية.
في زمن يعج بالتسطيح والانفصال عن القيم الثقافية، تظل مبادرات من هذا النوع بمثابة بصيص أمل في إعادة إحياء روح الحوار النقدي، وربط جسور جديدة بين الشباب والثقافة، من أجل مغرب أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على مجابهة تحولات القرن الواحد والعشرين.