في خضم الأزمة الخانقة التي تمر منها المدينة وفي ظل الغلاء الممنهج الذي بات يشكل عائقا امام عيش المواطنين ذوي الدخل المحدود، حتى أصبحت تاونات المدينة الأغلى على الصعيد الوطني، بشهادة الجميع، وهو ما يجعلنا نعود مرة أخرى للحديث عن الأوضاع المزرية التي تعيشها الساكنة من ذوي الدخل المحدود.
لكن هذه المرة في شكلها المتناقض، فبينما تعيش ساكن المدينة كل ما سبق نجد أن هناك ظاهرة غريبة تعيشها الساكنة رغم الفقر و ارتفاع الأسعار، إنها باقتضاب شديد خال من كل حشو وإطناب ظاهرة اختفاء القطع النقدية المعدنية الصفراء من فئة 5 و 10 و 20 سنتيم في سوق التداول التجاري للساكنة بتاونات.
إن المتبضع لمختلف المحلات التجارية بأصناف معروضاتها وسلعها الاستهلاكية، وخصوصا الوافد على المنطقة ليلاحظ عند أول وهلة تسعيرات لا تبارح حيز القطع النقدية المعدنية من فئة خمسين سنتيما و درهم واحد و درهمين و خمسة دراهم و عشرة دراهم، فيما تستثنى دون هذه القطع من التداول بين المواطنين.
واقع غريب ومتناقض أثار موجة سخط عارمة بين الناس، وخصوصا أولئك الذين يلقون باللائمة على التجار والمصالح القطاعية الحكومية ذات الصلة باعتبارها طرفا في هذه الآفة التي تجهز على القدرة الشرائية للمواطن ولحقوقه بهذه المدينة، وهي أصلا مهتزة ومصنفة ضمن خانة الفقر والهشاشة …
فمقارنة ببقية مناطق المملكة فالصرف الصغير كما يحلو للكل تسميته حاضر بقوة في جميع المعاملات التجارية اليومية، وكل من سولت له نفسه التلاعب به فإن المواطن بتلك الربوع يلقنه درسا قاسيا و يريه وجهه في المرآة.
إن سحب النقود المعدنية من الفئات الصغيرة من التداول قد شجع أصحاب متاجر البيع بالتجزئة على رفع الأسعار، فالسلعة التي كان ثمنها 1.20 أيصبح ثمنها 1.50، وسينفق المستهلكون في نهاية المطاف مبالغ أكبر لشراء نفس السلع.
فلو قمنا فعلا بعملية حسابية طيلة يوم خرجنا للتبضع فيه، لوجدنا أننا خسرنا قسطا من المال دون الاستفادة منه، مثلا عند رغبتنا في شراء خبزة تساوي 120 سنتيم، سندفع لقاءها 150 سنتيم دون التفكير في تناول الباقي من الصرف، و بالتالي سيضيع منا مبلغ 30 ستنيم، و هكذا أيضا عند شراء الدواء و العلكة و المشروبات والنعناع و الخضر وو …، إلى أن يجد المواطن نفسه في آخر اليوم خسر مبلغا كان بالإمكان استغلاله في اقتناء بضاعة أخرى.
بل حتى في بعض الصيدليات، حيث أن جل أثمان البضائع هي بالدرهم و السنتيم، و هكذا إذا كان الثمن على سبيل المثال 90، 99 درهما ، فإنك ستؤدي 100 درهما، و حتى لو كان الثمن المعلن هو 60، 99، فإنك ستؤدي لا محالة 100 درهما، بدعوى أنه ليس هناك الصرف أي النقود المعدنية الصفراء.
و إذا قمنا بعملية حسابية لعدد الزبناء في اليوم الواحد، و الصروف الزائدة، فسوف نصل إلى أرباح لا يستهان بها، قد يقول البعض: “وايلي على 10 أو 40 سنتيم تتحدث؟” و هنا أدعو هؤلاء لزيارة باقي المدن، حيث أن السنتيم لا يزهق ، و لن يسمح فيه لا البائع و لا المشتري، و نحن هنا نعيش وسط تلك المقولة المتخلفة: “شي باس ما كان” .
المثير للانتباه أنه بباقي مدن المملكة جميع المواطنين يتعاملون بأربعة دريال و جوج دريال، عند البقالة، المتاجر الكبرى، و كذا الأسواق و في كل مكان.. إلا في تاونات فنرى أن هذه القطع اختفت وبشكل كامل من المعاملات التجارية، ما يطرح أكثر من علامات استفهام…!!