هل تشيخ الأوطان…؟؟

0 491

بقلم الزميل عادل عزيزي

هل تشيخ الأوطان…؟؟، سؤال يراودني كل لحظة ولا أجد إجابة شافية له.. لكن كل الذي أعرفه أن الوطن مثل الأم.. إذا كانت مقبلة على الحياة وقوية وجميلة.. كل الأسرة تكون مثلها.. وإذا عجزت ومرضت وشاخت وذبلت.. كل الأسرة تذبل وتشيخ معها..

في أحيان كثيرة أسأل نفسي: لماذا تغيرت تاونات؟ ومن غيرها؟! وأين هي من مسيرة الأحداث وحكايات الزمن؟ ولا أجد الإجابة، ولكن تبدو أمامي الصورة حزينة فكل شيء تغير ولم تعد تاونات في مكانتها، لقد تراجعت دورا وتاريخا وأمجادا، وأصبحت تعيش خارج الزمن، أحداثا ورموزا ودورا، وحاصرتها من كل اتجاه عصابات الشر تمارس أسوأ أنواع الطغيان قهرا وجوعا وخوفا ومهانة، وتنظر إلى الماضي وتطل من خلف السحابات السوداء أمجاد وانتصارات وكبرياء..
بينما المستقبل ينزوي بعيدا، حيث لا حلم ولا مكانة، وتسأل أين من كانوا يوما أسياد الجبل؟ وكيف انسحبوا وتغيرت بهم الأحوال؟ وتكتشف أن الإنسان حين تعثرت خطاه وفقد البصر والبصيرة أفقد الأوطان نخوتها وشموخها وقدرتها على مواجهة المحن والأزمات وشاخ الإثنان معا الوطن والإنسان..
وهذه معادلة كونية، لأن الوطن ليس قطعة أرض والإنسان ليس شبحا يسكنها، لأن في الأرض دماء وأسرارا وحكايا صاغها الإنسان بالأحلام والإنجاز والإصرار وحين غابت هذه الأشياء تكاسل الزمن وتراخى الإنسان وحاصر العجز الأوطان.. وهذا حالنا الآن..

أتذكر تاونات في بداية التسعينيات كيف كان مقبلاً على الحياة.. مدينة حديثة.. رائحة أشجار التين والزهور تفوح في كل مكان، هجرة كبيرة إليها من المناطق المجاورة، حركة عمرانية وتجارية مذهلة، كل يوم كنا نسمع ونرى توسع المدينة.. صورة “قص الشريط” أو فتح الستارة عن المنشآت الجديدة كانت الصورة الأكثر تداولاً بين الساكنة، صورة تجمع أحياء تاونات في كعدة العاشميط” مقر الجماعة والبنايات المجاورة لها حاليا” والفرح والسرور يخيم على الجميع..، كانت صوراً حقيقية لم تكن مزيّفة ولا وهمية ولا باهتة، كانت تاونات كأنها طفلة صغيرة تكبر تحت أعين والديها..

في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كانت تاونات مثل زهرة متفتحة في فصل الربيع تنثر عبيرها في كل مكان، لكن حين أنظر اليوم لمدينة تاونات أرى انها قد شاخت وترهلت وأصابتها أمراض العجز والتراخي والاستسلام ووقفت ساكنتها حائرة في مسيرة الزمن، فقد فرطت في أشياء كثيرة حين استسلمت لمواكب العجز وأصبحت عبئا ثقيلا على نفسها وعلى الناس.

لكن ماذا تغير؟، نحن كما نحن.. بنفس جغرافيتنا وانتمائنا الجبلي…، الفرق الوحيد أن تاونات كانت تسير بشكل أمثل.. وكانت هناك إرادة حقيقية تريد أن تجعل تاونات تنافس المدن الكبرى.. وكانت هناك إرادة حقيقية تريد أن تجعل التاوناتي مرتاحاً كريماً عزيزاً..

الأوطان إذا شاخت وترهلت تأخذ جانبا في الحياة وتصبح كما مهملا ويصبح الإنسان كالقطيع لا فكر ولا إحساس ولا كرامة وتستباح كل الأشياء فيها وتصبح مزارا لكل الأمراض ويفقد الإنسان فيها مقومات المناعة، وتحوم حوله أنواع غريبة من الطيور المتوحشة تدمر كل ما فيه..

أراقب المشهد الآن بتاونات، تغيّر الوضع كثيراً، الكل يريد الرحيل..، التقهقر والانهيار في كل شيء، الركود يخيّم على القطاعات، و الفساد يعم، والمواطن في سجن كبير يريد الهروب منه تحت أي مسمى وبأي فرصة تتاح له، ومهما كان الدخل ضعيفاً وظروف الاغتراب رديئة… ترى لِمَ وصلنا إلى هذا الحال…؟، وكيف الخروج منه…!، هل شاخت تاونات وشخنا معها.. أم وضعت قسراً بدار العجزة…!!؟؟.

إن أصعب الأشياء أن تهون الأوطان حين يتبرأ منها الإنسان، رغم أن العجز الحقيقي ليس في وطن تخلى ولكن في إنسان فرط واستسلم وباع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.