بقلم/ سيداتي بيدا
في تحول يحمل أكثر من دلالة اقتصادية وسياسية، اختار المغرب إعادة ترتيب أولوياته التجارية، واضعاً الأسواق الوطنية في صدارة الحسابات، وموجهاً ضربة قوية لمنطق التصدير غير المشروط عندما تصبح موائد المغاربة تحت ضغط الأسعار واختلالات التموين. فقرار تقييد تصدير المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية لم يعد مجرد إجراء تقني عابر، بل يعكس توجهاً واضحاً نحو حماية الأمن الغذائي وإعادة الاعتبار للقدرة الشرائية للمواطن.
ومنذ 5 نونبر 2026، دخلت تدابير تعليق منح تراخيص جديدة لتصدير عدد من المنتجات الفلاحية حيز التنفيذ، وسط تشديد المراقبة على حركة الشاحنات التجارية، خصوصاً عبر معبر الكركرات، الذي يمثل شرياناً استراتيجياً للتبادل التجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في اتساع النقاش حول حدود العلاقة بين حرية التصدير وواجب حماية السوق الداخلية. فليس من المقبول اقتصادياً أن تتحول وفرة الإنتاج إلى فرصة لتعظيم الأرباح الخارجية، بينما يواجه المستهلك المغربي أسعاراً مرتفعة في أسواق يفترض أن تكون الأولوية فيها لتأمين حاجياته الأساسية.
لقد كشفت موجات الغلاء أن الخلل لا يرتبط دائماً بحجم الإنتاج، بل يمتد إلى طريقة تدبير سلاسل التوزيع والتسويق، وتعدد الوسطاء، وضعف آليات التخزين والتبريد. ولذلك فإن تعليق التصدير، مهما بلغت أهميته الظرفية، لن يكون كافياً ما لم يتحول إلى مدخل لإصلاح عميق يضع حداً للفوضى التي تستنزف جيوب المواطنين.
ومن منظور اقتصادي، يرى المحلل يوسف كراوي الفيلالي أن التدخل الحكومي يكتسي أهمية خاصة في ظل اختلال التوازن بين العرض والطلب، معتبراً أن حماية السوق الداخلية تفرض نفسها عندما تتزايد الضغوط التضخمية وتتراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة. كما شدد على أن الإجراء ينبغي أن يظل مؤقتاً، بالتوازي مع رفع الإنتاجية الفلاحية لضمان استمرارية التصدير مستقبلاً.
أما على الضفة الجزائرية، فقد أعادت اضطرابات سوق البطاطس إشعال النقاش حول هشاشة منظومة التموين.
مشاهد الطوابير وارتفاع الأسعار التي تناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي سلطت الضوء على صعوبات توفير هذه المادة الأساسية، وأعادت طرح أسئلة محرجة بشأن فعالية التخزين الاستراتيجي وقدرة شبكات التوزيع على مواجهة الاختلالات المفاجئة.
وفي خضم هذه التطورات، جرى تداول فرضيات تربط اضطراب التموين بتوقف تدفقات تجارية مغربية كانت تمر عبر الكركرات في اتجاه موريتانيا، قبل إعادة توجيه بعض السلع نحو وجهات أخرى. غير أن إثبات وجود علاقة مباشرة بين القرار المغربي وازمة البطاطس الجزائرية يظل رهينا بمعطيات تجارية مستقلة ودقيقة والمفارقة ان الأمن الغذائي لا يبنى بالشعارات السياسية ولا بالمزايدات الإعلامية ،وانما بإنتاج مستقر ومخزونات كافية وبنية لوجستية قادرة على مواجهة الأزمات.
إن الرسالة المغربية تبدو واضحة الأسواق الخارجية مهمة والشراكات الإفريقية استراتيجية لكن حماية المستهلك الوطني ليست موضوعا للمساومة .
ومع ذلك ،فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيقاف الشاحنات عند الحدود بل في ضمان الا تتحول الاسواق الداخلية إلى فضاء المضاربة والإحتكار .