بقلم: محمد العربي القباج
لم تعد الضغوط الاجتماعية التي تواجه عدداً من الأسر المغربية مجرد إحساس عابر بارتفاع تكاليف الحياة، بل أصبحت مصدر قلق يومي يرتبط بالقدرة على توفير الحاجيات الأساسية، وأداء مصاريف السكن، وتحمل تكاليف العلاج والتمريض، ومواجهة البطالة وصعوبة الولوج إلى خدمات عمومية ذات جودة. وفي هذا السياق، تكتسب التظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية دلالتها باعتبارها تعبيراً عن تنامي الإحباط، واتساع الفجوة بين انتظارات المواطنين وما يلمسونه في حياتهم اليومية.
إن تراجع وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة انخفاضها إلى مستوياتها السابقة، كما أن استقرارها لا يعوض تلقائياً تآكل المداخيل عندما تظل الأجور والمعاشات غير قادرة على مواكبة النفقات المتزايدة. وتزداد حدة هذه الضغوط لدى الفئات ذات الدخل المحدود، والمتقاعدين، والأسر التي تتحمل أعباء إعالة الأطفال والأشخاص المسنين، خصوصاً عندما تتزامن نفقات الغذاء والسكن والعلاج مع غياب مدخرات كافية.
فالمشكلة ليست في الأسعار وحدها، بل أيضاً في التفاوت بين تطور تكاليف المعيشة ومستوى الدخل، وهو ما يدفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتخلي عن بعض الحاجيات الضرورية.
أصبح السكن عبئاً مالياً ثقيلاً بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين، سواء تعلق الأمر بالكراء أو الأقساط أو تكاليف الماء والكهرباء والصيانة، الأمر الذي يقلص النفقات المخصصة للتغذية . والتعليم والنقل.
أما العلاج والتمريض، فتزداد أعباؤهما عندما يضطر المواطن إلى تحمل مصاريف الأدوية والفحوصات والتنقل أو اللجوء إلى الخدمات الخاصة بسبب صعوبة الولوج إلى بعض الخدمات العمومية. وتصبح هذه المعاناة أشد لدى كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، الذين يحتاجون إلى متابعة منتظمة ورعاية مستمرة.
الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المستفيدين أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى قدرتها الفعلية على تخفيف النفقات عن الأسر وضمان الولوج إلى العلاج والسكن والخدمات الأساسية بكرامة وإنصاف. قانون المالية لسنة 2027: أين أثر الوعود الانتخابية؟
في هذا السياق، يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2027 سؤال مدى التزام الحكومة بالوعود التي قدمتها أحزاب الأغلبية خلال حملتها الانتخابية. فالمواطن الذي استمع إلى برامج تضمنت تحسين القدرة الشرائية، وإحداث فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية، ينتظر أن يجد لهذه الالتزامات ترجمة واضحة في التدابير المالية والاعتمادات المخصصة لتنفيذها. ولا يكفي أن يتضمن المشروع توجهات عامة وأهدافاً طموحة، بل ينبغي أن يحدد إجراءات ملموسة، وموارد مالية كافية، وآجالاً واضحة، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج. ومن هنا، فإن المقارنة بين البرامج الانتخابية ومضامين قانون المالية تظل ضرورية لمساءلة الحكومة سياسياً، والتحقق مما إذا كانت الوعود قد تحولت إلى التزامات قابلة للتنفيذ أم بقيت في حدود الخطاب الانتخابي. فالمصداقية السياسية لا تقاس بما يقال خلال الحملات الانتخابية، بل بما يتحقق بعدها من تحسين ملموس في حياة المواطنين.
لا يمكن تفسير التظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية بسبب واحد، ولا اعتبار كل تعبير احتجاجي دليلاً على أزمة شاملة. لكنها تظل مؤشراً يستحق الإنصات والتحليل، خاصة عندما تتكرر المطالب المرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والعدالة في توزيع ثمار التنمية.
والمطلوب هو التعامل مع هذه المطالب باعتبارها جزءاً من الحياة الديمقراطية، من خلال الحوار المسؤول والاستجابة العملية، بدل الاكتفاء بالتواصل أو التدابير الظرفية. كما تبرز مسؤولية الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية والنقابات والأحزاب وهيئات المجتمع المدني في بلورة حلول تتجاوز المعالجة الآنية، وتعالج الأسباب البنيوية للبطالة والهشاشة وضعف الخدمات.
إن استعادة الثقة تقتضي إعطاء الأولوية لعدد من الإجراءات، من بينها:
· تعزيز مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار والممارسات المضرة بالمستهلك.
· دعم القدرة الشرائية للفئات الهشة، ومراجعة مدى ملاءمة الأجور والمعاشات مع تكاليف المعيشة.
· توسيع فرص الشغل اللائق، خاصة لفائدة الشباب والنساء.
· تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية العمومية، وتقريبها من المواطنين.
· تطوير سياسات السكن وخدمات الرعاية والتمريض، مع إيلاء عناية خاصة لكبار السن.
· ربط الالتزامات الحكومية بالاعتمادات المالية والآجال المحددة، ونشر حصيلة واضحة حول التنفيذ.
· تقوية الحوار الاجتماعي وإشراك المواطنين وهيئاتهم التمثيلية في تقييم السياسات العمومية.
إن ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وصعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية ليست قضايا منفصلة، بل حلقات مترابطة تؤثر في الاستقرار الأسري والثقة في المؤسسات والإحساس بالإنصاف. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في احتواء الاحتجاجات وحدها، بل في معالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم. كما أن قانون المالية ينبغي أن يكون أداة لتحقيق الالتزامات الاجتماعية، لا مجرد وثيقة لتدبير النفقات والإيرادات.
فحين تصبح كلفة الحياة أكبر من قدرة الدخل على التحمل، تتحول المطالب الاجتماعية من انتظار للتحسين إلى مطالبة ملحة بالإنصاف. واستعادة الثقة تبدأ حين يشعر المواطن بأن كرامته وحقوقه الاجتماعية ليستا شعاراً انتخابياً، بل التزاماً فعلياً تظهر نتائجه في قوته اليومي، وسكنه، وعلاجه، وفرص عمل أبنائه.